|
حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكرياء، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، قال : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا : سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عيسى وهو ابن يونس، حدثنا الأوزاعي، عن سليمان بن موسى، قال : لقيت طاوسا فقلت : حدثني فلان كيت وكيت، قال : "إن كان صاحبك مليا، فخذ عنه" وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى قال : قلت لطاوس : إن فلانا حدثني بكذا وكذا، قال : "إن كان صاحبك مليا، فخذ عنه" حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا الأصمعي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال : "أدركت بالمدينة مائة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال : ليس من أهله" حدثنا محمد بن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، ح وحدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي - واللفظ له - قال : سمعت سفيان بن عيينة، عن مسعر قال : سمعت سعد بن إبراهيم يقول : "لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات"
|
|
|
قال رحمه الله (حدثنا حسن بن الربيع قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد وحدثنا فضيل عن هشام وحدثنا مخلد بن حسين عن هشام عن ابن سيرين) أما هشام أولا فمجرور معطوف على أيوب وهو هشام بن حسان القردوسي بضم القاف ومحمد هو ابن سيرين والقائل وحدثنا فضيل وحدثنا مخلد هو حسن بن الربيع. وأما فضيل فهو ابن عياض أبو علي الزاهد السيد الجليل رضي الله عنه. وأما قوله (وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) فهذه مسألة قد قدمناها في أول الخطبة وبينا المذاهب فيها. قوله (حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي) هو ابن راهويه الإمام المشهور حافظ أهل زمانه. وأما الأوزاعي فهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد بضم المثناة من تحت وكسر الميم الشامي الدمشقي إمام أهل الشام في زمنه بلا مدافعة ولا مخالفة كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطًا إلى أن مات بها وقد انعقد الإجماع على إمامته وجلالته وعلو مرتبته وكمال فضيلته وأقاويل السلف كثيرة مشهورة في ورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وفقهه وفصاحته واتباعه السنة وإجلال أعيان أئمة زمانه من جميع الأقطار له واعترافهم بمزيته وروينا من غير وجه أنه أفتى في سبعين ألف مسألة وروى عن كبار التابعين وروى عنه قتادة والزهري ويحيى بن أبي كثير وهم من التابعين وليس هو من التابعين وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر واختلفوا في الأوزاع التي نسب إليها فقيل بطن من حمير وقيل قرية كانت عند باب الفراديس من دمشق وقيل من أوزاع القبائل أي فرقهم وبقايا مجتمعة من قبائل شتى وقال أبو زرعة الدمشقي كان اسم الأوزاعي عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن وكان ينزل الأوزاع فغلب ذلك عليه وقال محمد بن سعد الأوزاع بطن من همدان والأوزاعي من أنفسهم والله أعلم. قوله (لقيت طاوسًا فقلت حدثني فلان كيت وكيت فقال إن كان مليًا فخذ عنه) قوله كيت وكيت هما بفتح التاء وكسرها لغتان نقلهما الجوهري في صحاحه عن أبي عبيدة. وقوله إن كان مليًا يعني ثقة ضابطًا متقنًا يوثق بدينه ومعرفته ويعتمد عليه كما يعتمد على معاملة الملي بالمال ثقة بذمته. وأما قول مسلم (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) فهذا الدارمي هو صاحب المسند المعروف كنيته أبو محمد السمرقندي منسوب إلى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم وكان أبو محمد الدارمي هذا أحد حفاظ المسلمين في زمانه قل من كان يدانيه في الفضيلة والحفظ قال رجاء بن مرجى ما أعلم أحدًا هو أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدارمي وقال أبو حاتم هو إمام أهل زمانه وقال أبو حامد بن الشرقي إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة رجال محمد بن يحيى ومحمد بن إسماعيل وعبد الله بن عبد الرحمن ومسلم بن الحجاج وإبراهيم بن أبي طالب وقال محمد بن عبد الله غلبنا الدارمي بالحفظ والورع. ولد الدارمي سنة إحدى وثمانين ومائة ومات سنة خمس وخمسين ومائتين رحمه الله. قال مسلم رحمه الله (حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد عن أبيه) أما الجهضمي فبفتح الجيم وإسكان الهاء وفتح الضاد المعجمة. قال الإمام الحافظ أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعاني في كتابه الأنساب هذه النسبة إلى الجهاضمة وهي محلة بالبصرة قال وكان نصر بن علي هذا قاضي البصرة وكان من العلماء المتقنين وكان المستعين بالله بعث إليه ليشخصه للقضاء فدعاه أمير البصرة لذلك فقال أرجع فأستخير الله تعالى فرجع إلى بيته نصف النهار فصلى ركعتين وقال اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك فنام فأنبهوه فإذا هو ميت وكان ذلك في شهر ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين. وأما الأصمعي فهو الإمام المشهور من كبار أئمة اللغة والمكثرين والمعتمدين منهم واسمه عبد الملك بن قريب بقاف مضمومة ثم راء مفتوحة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم باء موحدة ابن عبد الملك بن أصمع البصري أبو سعيد نسب إلى جده وكان الأصمعي من ثقات الرواة ومتقنيهم وكان جامعا للغة والغريب والنحو والأخبار والملح والنوادر قال الشافعي رحمه الله تعالى ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي وقال الشافعي رحمه الله تعالى أيضًا ما عبر أحد من العرب بأحسن من عبارة الأصمعي وروينا عن الأصمعي قال أحفظ ست عشرة ألف أرجوزة وأما أبو الزناد بكسر الزاي فاسمه عبد الله بن ذكوان كنيته أبو عبد الرحمن وأبو الزناد لقب له كان يكرهه واشتهر به وهو قرشي مولاهم مدني وكان الثوري يسمي أبا الزناد أمير المؤمنين في الحديث قال البخاري أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وقال مصعب كان أبو الزناد فقيه أهل المدينة. وأما ابن أبي الزناد فهو عبد الرحمن ولأبي الزناد ثلاثة بنين يروون عنه عبد الرحمن وقاسم وأبو القاسم. وأما مسعر فبكسر الميم وهو ابن كدام الهلالي العامري الكوفي أبو سلمة المتفق على جلالته وحفظه وإتقانه. وقوله (لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات) معناه لا يقبل إلا من الثقات. وأما قوله رحمه الله (وحدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ من أهل مرو قال سمعت عبدان بن عثمان يقول سمعت ابن المبارك يقول الإسناد من الدين) ففيه لطيفة من لطائف الإسناد الغريبة وهو أنه إسناد خراساني كله من شيخنا أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر إلى آخره فإني قد قدمت أن الإسناد من شيخنا إلى مسلم خراسانيون نيسابوريون وهؤلاء الثلاثة المذكورون أعني محمدًا وعبدان وابن المبارك خراسانيون مروزيون وهذا قل أن يتفق مثله في هذه الأزمان أما قهزاذ فبقاف مضمومة ثم هاء ساكنة ثم زاي ثم ألف ثم ذال معجمة هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبطه وحكى صاحب مطالع الأنوار عن بعضهم أنه قيده بضم الهاء وتشديد الزاي وهو أعجمي فلا ينصرف قال ابن ماكولا مات محمد بن عبد الله بن قهزاذ هذا يوم الأربعاء لعشر خلون من المحرم سنة اثنتين وستين ومائتين فتحصل من هذا أن مسلمًا رحمه الله مات قبل شيخه هذا بخمسة أشهر ونصف كما قدمناه أول هذا الكتاب من تاريخ وفاة مسلم رحمه الله. وأما عبدان فبفتح العين وهو لقب له واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي قال البخاري في تاريخه توفي عبدان سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين. وأما ابن المبارك فهو السيد الجليل جامع أنواع المحاسن أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم سمع جماعات من التابعين وروى عنه جماعات من كبار العلماء وشيوخه وأئمة عصره كسفيان الثوري وفضيل بن عياض وآخرين وقد أجمع العلماء على جلالته وإمامته وكبر محله وعلو مرتبته. روينا عن الحسن بن عيسى قال اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى ومخلد بن حسين ومحمد بن النضر فقالوا تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا جمع العلم والفقه والأدب والنحو واللغة والزهد والشعر والفصاحة والورع والإنصاف وقيام الليل والعبادة والشدة في رأيه وقلة الكلام فيما لا يعنيه وقلة الخلاف على أصحابه وقال العباس بن مصعب جمع ابن المبارك الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والتجارة والسخاء والمحبة عند الفرق وقال محمد بن سعد صنف ابن المبارك كتبًا كثيرة في أبواب العلم وصنوفه وأحواله مشهورة معروفة. وأما مرو فغير مصروفة وهي مدينة عظيمة بخراسان وأمهات مدائن خراسان أربع نيسابور ومرو وبلخ وهراة والله أعلم. قوله (حدثني العباس بن أبي رزمة قال سمعت عبد الله يقول بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد) أما رزمة فبراء مكسورة ثم زاي ساكنة ثم ميم ثم هاء. وأما عبد الله فهو ابن المبارك ومعنى هذا الكلام إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه وإلا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم ثم إنه وقع في بعض الأصول العباس بن رزمة وفي بعضها العباس بن أبي رزمة وكلاهما مشكل ولم يذكر البخاري في تاريخه وجماعة من أصحاب كتب أسماء الرجال العباس بن رزمة ولا العباس بن أبي رزمة وإنما ذكروا عبد العزيز بن أبي رزمة أبا محمد المروزي سمع عبد الله بن المبارك ومات في المحرم سنة ست ومائتين واسم أبي رزمة غزوان والله أعلم. قوله (أبا إسحاق الطالقاني -هو بفتح اللام- قال قلت لابن المبارك الحديث الذي جاء إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال ابن المبارك عمن هذا قلت من حديث شهاب بن خراش قال ثقة عمن قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة عمن قال قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف) معنى هذه الحكاية أنه لا يقبل الحديث إلا بإسناد صحيح. وقوله مفاوز جمع مفازة وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها قيل سميت مفازة للتفاؤل بسلامة سالكها كما سموا اللديغ سليمًا وقيل لأن من قطعها فاز ونجا وقيل لأنها تهلك صاحبها يقال فوز الرجل إذا هلك ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين فأقل ما يمكن أن يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اثنان التابعي والصحابي فلهذا قال بينهما مفاوز أي انقطاع كثير. وأما قوله ليس في الصدقة اختلاف فمعناه أن هذا الحديث لا يحتج به ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها بلا خلاف بين المسلمين وهذا هو الصواب وأما ما حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الفقيه الشافعي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب فهو مذهب باطل قطعًا وخطأ بين مخالف لنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة فلا التفات إليه ولا تعريج عليه وأما الصلاة والصوم فمذهب الشافعي وجماهير العلماء أنه لا يصل ثوابهما إلى الميت إلا إذا كان الصوم واجبًا على الميت فقضاه عنه وليه أو من أذن له الولي فإن فيه قولين للشافعي أشهرهما عنه أنه لا يصح وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى. وأما قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل ثوابها إلى الميت وقال بعض أصحابه يصل ثوابها إلى الميت. وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات من الصلاة والصوم والقراءة وغير ذلك وفي صحيح البخاري في باب من مات وعليه نذر أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة أن تصلي عنها وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت وقال الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون من أصحابنا المتأخرين في كتابه الانتصار إلى اختيار هذا وقال الإمام أبو محمد البغوي من أصحابنا في كتابه التهذيب لا يبعد أن يطعم عن كل صلاة مد من طعام وكل هذه المذاهب ضعيفة ودليلهم القياس على الدعاء والصدقة والحج فإنها تصل بالإجماع ودليل الشافعي وموافقيه قول الله تعالى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". واختلف أصحاب الشافعي في ركعتي الطواف في حج الأجير هل تقعان عن الأجير أم عن المستأجر والله أعلم. وأما خراش المذكور فبكسر الخاء المعجمة وقد تقدم في الفصول أنه ليس في الصحيحين حراش بالمهملة إلا والد ربعي.
|
|
|
|