|
وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا عمر بن علي بن مقدم، عن سفيان بن حسين، قال : سألني إياس بن معاوية، فقال : إني أراك قد كلفت بعلم القرآن، فاقرأ علي سورة، وفسر حتى أنظر فيما علمت، قال : ففعلت، فقال لي : احفظ علي ما أقول لك : "إياك والشناعة في الحديث، فإنه قلما حملها أحد إلا ذل في نفسه، وكذب في حديثه"
|
|
|
|
وفي الإسناد الآخر عبد الرحمن حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله. أما عبد الرحمن فابن مهدي الإمام المشهور أبو سعيد البصري. وأما سفيان فهو الثوري الإمام المشهور أبو عبد الله الكوفي. وأما أبو إسحاق فهو السبيعي بفتح السين واسمه عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي التابعي الجليل. قال أحمد بن عبد الله العجلي سمع ثمانية وثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال علي بن المديني روى أبو إسحاق عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره وهو منسوب إلى جد من أجداده اسمه السبيع بن صعب بن معاوية. وأما أبو الأحوص فاسمه عوف بن مالك الجشمي الكوفي التابعي المعروف لأبيه صحبة. وأما عبد الله فابن مسعود الصحابي السيد الجليل أبو عبد الرحمن الكوفي. وأما ابن وهب في الإسناد الآخر فهو عبد الله بن وهب بن مسلم أبو محمد القرشي الفهري مولاهم البصري الإمام المتفق على حفظه وإتقانه وجلالته رضي الله عنه. وفي الإسناد الآخر يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة. أما يونس فهو ابن يزيد أبو يزيد القرشي الأموي مولاهم الأيلي بالمثناة من تحت وفي يونس ست لغات ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز وتركه وكذلك في يوسف اللغات الست والحركات الثلاث في سينه ذكر ابن السكيت معظم اللغات فيهما وذكر أبو البقاء باقيهن وأما ابن شهاب فهو الإمام المشهور التابعي الجليل وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحرث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو بكر القرشي الزهري المدني سكن الشام وأدرك جماعة من الصحابة نحو عشرة وأكثر من الروايات عن التابعين وأكثروا من الروايات عنه وأحواله في العلم والحفظ والصيانة والإتقان والاجتهاد في تحصيل العلم والصبر على المشقة فيه وبذل النفس في تحصيله والعبادة والورع والكرم وهو أن الدنيا عنده وغير ذلك من أنواع الخير أكثر من أن يحصر وأشهر من أن يشهر. وأما عبيد الله بن عبد الله فهو أحد الفقهاء السبعة الإمام الجليل رضي الله عنهم أجمعين. وأما فقه الإسناد فهكذا وقع في الطريق الأول عن حفص عن النبي عليه السلام مرسلًا فإن حفصا تابعي وفي الطريق الثاني عن حفص عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلًا فالطريق الأول رواه مسلم من رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهدي وكلاهما عن شعبة وكذلك رواه غندر عن شعبة فأرسله والطريق الثاني عن علي بن حفص عن شعبة قال الدارقطني الصواب المرسل عن شعبة كما رواه معاذ وابن مهدي وغندر قلت وقد رواه أبو داود في سننه أيضًا مرسلًا ومتصلًا فرواه مرسلًا عن حفص بن عمر النميري عن شعبة ورواه متصلًا من رواية علي بن حفص وإذا ثبت أنه رُوي متصلًا ومرسلًا فالعمل على أنه متصل هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول وجماعة من أهل الحديث ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلًا فإن الوصل زيادة من ثقة وهي مقبولة وقد تقدمت هذه المسألة موضحة في الفصول السابقة والله أعلم. وأما قوله في الطريق الثاني (بمثل ذلك) فهي رواية صحيحة وقد تقدم في الفصول بيان هذا وكيفية الرواية به. وقوله (بحسب المرء من الكذب) هو بإسكان السين ومعناه يكفيه ذلك من الكذب فإنه قد استكثر منه وأما معنى الحديث والآثار التي في الباب ففيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن وقد تقدم أن مذهب أهل الحق أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو ولا يشترط فيه التعمد لكن التعمد شرط في كونه إثما والله أعلم. وأما قوله (ولا يكون إمامًا وهو يحدث بكل ما سمع) فمعناه أنه حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته فترك الاعتماد عليه والأخذ عنه. وأما قوله (أراك قد كلفت بعلم القرآن) فهو بفتح الكاف وكسر اللام وبالفاء ومعناه ولعت به ولازمته. قال ابن فارس وغيره من أهل اللغة الكلف الإيلاع بالشيء وقال أبو القاسم الزمخشري الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقة. وأما قوله (إياك والشناعة في الحديث) فهي بفتح الشين وهي القبح. قال أهل اللغة الشناعة القبح وقد شنع الشيء بضم النون أي قبح فهو أشنع وشنيع وشنعت بالشيء بكسر النون وشنعته أي أنكرته وشنعت على الرجل أي ذكرته بقبيح ومعنى كلامه أنه حذره أن يحدث بالأحاديث المنكرة التي يشنع على صاحبها وينكر ويقبح حال صاحبها فيكذب أو يستراب في رواياته فتسقط منزلته ويذل في نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم.
|
|
|
|