فهذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا يدخلون الأعمال في الإيمان؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وهو قتال المسلمين، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وبعضها يسمى إيمانا. وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث.
وأما أبو وائل فليس بمتهم؛ بل هو الثقة العدل المأمون، وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضا: أبو عمرو الشيباني، وأبو الأحوص وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لكن فيهم من وقفه.
ورواه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص وغيره.
ومثل هذا الحديث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". وقد سبق القول في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفى في مواضع.
قال أبو الفرج زين الدين بن رجب:
وقد ظهر لي في القرآن شاهد لتسمية القتال كفرا، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفدُوهُم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض
[البقرة: 83- 85].
والمعنى: أن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضًا أو يخرج بعضهم بعضًا من داره، وكان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بالمدينة، فكان إذا وقع بين الأوس أو الخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على أعدائهم فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في كتابهم وأقروا به وشهدوا به، ثم بعد أن يوسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم، فسمى الله عز وجل فعلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتاب وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرًا بالكتاب؛ فدلت هذه الآية على أن القتال والإخراج من الديار إذا كان محرمًا يسمى كفرًا، وعلى أن فعل بعض الطاعات يسمى إيمانًا؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانًا؛ وهذا حسن جدا، ولم أر أحدًا من المفسرين تعرض له، ولله الحمد والمنة.