معنى هذا: أن الظلم يختلف: فيه ظلم، ينقل عن الملة كقوله تعالى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[لقمان: 13]، وقوله تعالى:
وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[البقرة: 254] فإن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وأعظم ذلك: أن يوضع المخلوق في مقام الخالق ويجعل شريكا له في الربوبية وفي الإلهية -سبحانه وتعالى- عما يشركون.
وأكثر ما يرد في القرآن وعيد الظالمين يراد به الكفار كقوله تعالى:
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون
الآيات [إبراهيم: 42]، وقوله:
وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيل
الآيات [الشورى: 44] ومثل هذا كثير.
ويراد بالظلم: ما لا ينقل عن الملة، كقوله تعالى:
فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات
[فاطر: 32] وقوله:
وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون
[البقرة: 229].
وحديث ابن مسعود هذا صريح في أن المراد بقوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم
أن الظلم هو الشرك. وجاء في بعض رواياته زيادة: قال: "إنما هو الشرك".
وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ، فدخل ذات يوم فقرأ فأتى على هذه الآية:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم
إلى آخر الآية فانتعل وأخذ رداءه ثم أتى أبي بن كعب فقال: يا أبا المنذر أتيت قبل على هذه الآية:
الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْم
وقد ترى أنا نظلم ونفعل، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا ليس بذلك، يقول الله تعالى:
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
إنما ذلك الشرك.
خرجه محمد بن نصر المروزي.
وخرجه أيضا من طريق حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب أن عمر أتى على هذه الآية، فذكره.
وحماد بن سلمة مقدم على حماد بن زيد في علي بن زيد خاصة.
وروي أيضا بإسناده، عن سفيان، عن (200- أ/ف) ابن جريج، عن عطاء قال: كفر دون كفر وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
يعني: أن الفسق قد يكون ناقلًا عن الملة كما قال في حق إبليس:
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه
[الكهف: 50] وقال:
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ
[السجدة: 20].
وقد لا يكون الفسق ناقلًا عن الملة كقوله تعالى:
وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ
[البقرة: 282]، وقوله في الذين يرمون المحصنات:
وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
[النور: 4] وقوله:
فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَج
[البقرة: 197]، وفسرت الصحابة الفسوق في الحج بالمعاصي كلها، ومنهم من خصها بما ينهى عنه في الإحرام خاصة.
وكذلك الشرك: منه ما ينقل عن الملة، واستعماله في ذلك كثير في الكتاب والسنة.
ومنه: ما لا ينقل، كما جاء في الحديث: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وفي الحديث: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل"، وسمي الرياء: شركا.
وتأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى:
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون
[يوسف: 106] قال: إن أحدهم يشرك حتى يشرك بكلبه: لولا الكلب لسرقنا الليلة، قال تعالى:
فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
[الكهف: 110].
وقد روي أنها نزلت في الرياء في العمل.
وقيل للحسن: يشرك بالله؟ قال: لا؛ ولكن أشرك بذلك العمل عملًا يريد به الله والناس، فذلك يرد عليه.