الصفحة الرئيسية >> الشروح >> فتح الباري لابن رجب الحنبلي
 
- 20 - وخرج البخاري في هذا الباب حديث: هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا".

جزء
1
صفحة
0089
مسلسل
91940
كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل، فربما اعتذروا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له وهم غير مضمون لهم المغفرة، فهم محتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به.

فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله وإنما زاد علمه بالله لمعنيين:

أحدهما:

زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه وما يستحقه من الجلال والإكرام والإجلال والإعظام.

والثاني:

أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين، فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: رآه بفؤاده مرتين، وعلمهم به مستند إلى علم يقين، وبين المرتبتين [تباين]؛ ولهذا سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى -وقد سبق التنبيه على ذلك والكلام في تفاصيل المعرفة التامة بالقلب- فلما زادت معرفة الرسول (191- أف) بربه زادت خشيته له وتقواه، فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر: 28] فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى، إنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله.

وقد خرج البخاري في آخر "صحيحه" عن مسروق قال: قالت عائشة: صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ترخص فيه وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟! فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية".

وفي "صحيح مسلم" عن عائشة أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم" فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي".

وفي حديث أنس أن ثلاثة رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدًا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وقد خرجاه في "الصحيحين" بمعناه.

ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد فإذا عوتب على ذلك وذكرت له المغفرة أخبر أنه يفعل ذلك شكرًا؛ كما في "الصحيحين" عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!".

وقد كان يواصل في الصيام وينهاهم ويقول: "إني لست كهيئتكم؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني"، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدي وأفضله، وهذا خطأ عظيم؛ ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "خير الهدي هدي محمد". ويقتضي أيضا هذا الخطأ: أن الاقتداء بهديه في العمل ليس هو أفضل؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جدًا؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها، قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: 31].

فلهذا كان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك غضبًا شديدًا لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به.

وفي رواية للإمام أحمد: "والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبًا".

وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" -فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل، وهو ممنوع عند أكثر النحاة (191- ب/ف) إلا للضرورة كقول الشاعر:

ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير

وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت الإتيان بالمتصل مثل أن يبتدأ بالضمير قبل عامله نحو: إياك نعبد؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل أو يقع بعد نحو: إلا إياه. فأما قول الشاعر: "أن لا يجاوزنا إلاك"، فشاذ.

وأما قوله: "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي"، فهو عندهم متأول على أنه فيه معنى الاستثناء، كأنه قال: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا.

ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة، ويكون حينئذ قوله: "إنما يدافع عن أحسابهم أنا" شاهدًا له غير محتاج إلى تأويل، والله أعلم.

فتح الباري لابن رجب الحنبلي
فصل خرج البخاري من حديث: - 8 - ع...
- 9 - وخرج البخاري من حديث: سليمان...
- 10 - خرج البخاري من حديث: الشعبي...
- 11 - خرج البخاري من حديث: بريد ب...
- 12 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 13 - خرج البخاري ومسلم من حديث:...
- 14 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 15 - وخرج البخاري ومسلم أيضاً من...
- 16 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 17 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
11 فصل قال البخاري: - 18 - حدثنا ...
- 22 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 23 - ثم خرج البخاري حديث: أبي سع...
- 24 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 19 - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن...
- 26 - ثم خرج حديث: أبي هريرة أن ا...
- 27 - وخرج البخاري في هذا الباب ح...
- 28 - ثم خرج البخاري حديث: عبد ال...
- 29 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 32 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 39 - وخرج البخاري من حديث: معن ب...
- 41 - خرج البخاري من حديث: زيد بن...
- 42 - وخرج البخاري أيضًا من حديث...
- 43 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 44 - ثم خرج البخاري في هذا الباب...
- 45 - الحديث الثاني الذي خرجه في ...
- 40 - خرج البخاري ومسلم من حديث: ...
- 48 - ثم خرج البخاري في هذا البا...
- 49 - الحديث الثاني: حديث: عبادة ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم