- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون". المعنى العام
كما فضل الله بعض الناس على بعض، وفضل بعض الأماكن على بعض فضل بعض الأوقات على بعض، وتفضيل الأماكن والأوقات تفضيل للعبادة فيهما على العبادة في غيرهما.
وقد فضل الله وقتي العصر والفجر على بقية أوقات اليوم، لأن الفجر وقت النوم، ووقت الخلود إلى الراحة، ووقت البرد في الشتاء، ولأن العصر وقت انشغال الناس بالأعمال والكسب، فكان الترغيب في المحافظة على الصلاة في هذين الوقتين، وكان فضل الله في الإثابة على صلاتهما عظيما، وشاء الله أن يباهي بعباده المصلين ملائكته، ينزل من السماء إلى الأرض ملائكة في هذين الوقتين. تنزل ملائكة الفجر فتشهد الصلاة مع المصلين، وتستمر إلى صلاة العصر، فتنزل طائفة أخرى من الملائكة تجتمع مع الأولى في صلاة العصر مع المصلين، ثم تصعد طائفة النهار إلى ربها، وتبقى ملائكة الليل فتبيت حتى الفجر، فتنزل ملائكة النهار فتجتمع مع ملائكة الليل في صلاة الفجر، ثم تصعد ملائكة الليل، فيسألهم ربهم سؤال استنطاق: كيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم بهم، فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون.
فيا سعادة من شهدت صلاته وشهدت له الملائكة، ويا خسارة من أضاع هذا المغنم.
المباحث العربية
(يتعاقبون فيكم ملائكة) مذهب الأخفش ومن تابعه من النحويين في هذا وفي أمثاله أن الواو في "يتعاقبون" علامة جمع المذكر، وليست الفاعل، وإنما الفاعل "ملائكة" وحكوا مثله في قول العرب: أكلوني البراغيث، وحملوا عليه قوله تعالى
وأسروا النجوى الذين ظلموا 
وقال سيبويه وأكثر النحويين: لا يجوز إظهار الضمير مع وجود الفاعل الظاهر، ويتأولون هذا وأمثاله، ويجعلون الضمير هو الفاعل، ويقدرون له ما يعود عليه نحو: لله ملائكة يتعاقبون فيكم، و"ملائكة" المذكور بعد الفعل أما بدل من الضمير، وإما خبر لمبتدأ محذوف.
ومعنى "يتعاقبون" تأتي طائفة عقيب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية والخطاب في "فيكم" للمصلين.
(وملائكة بالنهار) إعادة النكرة نكرة تفيد أن الثانية غير الأولى.
(ثم يعرج الذين باتوا) عرج من باب نصر، والعروج الصعود.
(فيسألهم) أي ربهم، كما صرح به في بعض الروايات، ولم يصرح به هنا للعلم به، ومقصود السؤال أن ينطقوا بالجواب. إذ هو أعلم بهم منهم.
(تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) جملة "وهم يصلون" حال وكان الترتيب الطبيعي أن يخبروا عن حالة الإتيان، ثم عن حالة الترك، لكنهم لم يراعوا الترتيب الوقوعي، لأنهم طابقوا السؤال "كيف تركتم عبادي" فقدموا جوابه، ثم زادوا عليه.
فقه الحديث
ذهب أكثر العلماء إلى أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة، الذين يكتبون أعمال العباد، فسؤاله لهم عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم والغرض من سؤالهم على هذا مدح المؤمنين، والثناء عليهم رفعا لدرجاتهم وزيادة في الرضا عنهم. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكونوا غير الحفظة فسؤاله لهم ما سبق في علمه بقوله:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء
وأنه ظهر لهم ما سبق في علمه بقوله:
إني أعلم ما لا تعلمون
قال القرطبي: وهذا من خفي لطفه، وجميل ستره جل شأنه، إذ لم يطلعهم إلا على حال عباداتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها.اهـ. وهذا أيضا إنما يصح على أنهم غير الحفظة.
وتخصيص العروج بالذين باتوا في الحديث، إما للاكتفاء بذكر أحد الأمرين عن الآخر، وإما لأن الليل مظنة المعصية، ومظنة التكاسل.
لكن جاء مصرحا بعروج كل من ملائكة الليل والنهار وسؤالهم في رواية ابن خزيمة. فلا حاجة إلى التكلف والتعليل فالتخصيص للاكتفاء واختيار المبيت عند الاكتفاء لأن الليل مظنة المعصية، فإذا أطاعوا فيه كانوا أكثر طاعة في غيره.
ويؤخذ من الحديث:
1- أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عليها وقع السؤال والجواب.
2- فيه إشارة إلى عظم هاتين الصلاتين.
3- وفضل هذين الوقتين.
4- وفيه الإيذان بأن الملائكة تحب هذه الأمة ليزدادوا فيهم حبا، ويتقربون بذلك إلى الله تعالى.
5- وفيه دلالة على أن الله تعالى يكلم ملائكته.
6- وفيه الإخبار بالغيب.