الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم أكثرتم وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة".

المعنى العام

بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة من اللين، على أساس قليل من الحجارة، وسقفه من جريد النخل، مما يمنع الشمس ولا يقي المطر، حتى رأيناه صلى الله عليه وسلم ليلة القدر يسجد في ماء وطين، وجعل أعمدته جذوع النخل وجعل ارتفاع حوائطه قامة أو تزيد، وجعل أضلاعه متساوية، طول الضلع مائة ذراع، وظل المسجد كذلك في عهد أبي بكر، فلما كان عهد عمر رأى الجريد قد نخر وتساقط، والحوائط قد تهشمت فأعاد بناءه على الهيئة التي بناه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم باللين، وبالارتفاع نفسه، وجريد النخل، غير أنه زاد في سعته للحاجة.

وفي عهد عثمان، وفي سنة ثلاثين من الهجرة فكر عثمان في إعادة بناء المسجد، وكان التقدم العمراني، بسبب اتصال المسلمين بالفرس والروم وكثرة الأموال، واستعمل المسلمون في بناء بيوتهم الحجارة بأنواعها والجص والألوان والأخشاب الثمينة، ورأى عثمان أن المسجد ينبغي أن يساير التقدم في البناء، وأن يبنى بالحجارة، لما لها من طول البقاء، وحسن المنظر، فجلب للمسجد نوعا مشهورا من الخشب يسمى بالساج، جلبه من بلاد الهند ليسقف المسجد به، وجلب أنواعا جيدة من الحجارة المنقوشة ليبني حوائطه بها، ويقيم بها أعمدته، وجلب القصة والجص ليطلي به البناء بعد تمامه.

وشعر بعض المسلمين أن في هذ التغيير الشكلي للمسجد إسرافا لا داعي له وأن إعادة بنائه بالوضع السابق يذكر الناس بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من الزهد والتقشف، وخشوا أن يفتح هذا العمل باب التنافس في المظاهر في عمارة المساجد. هذه المخاوف دفعت الكثيرين من الصحابة أن يعارضوا فكرة عثمان، وأن ينتقدوها، وأن يحاولوا إثناءه عن تنفيذها وأكثروا الكلام، فروى لهم عثمان رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا مثله في الجنة". ورضي الصحابة وأقروا عثمان، ولم تبق المعارضة طويلا، وتم بناء المسجد بناء كريما. فرضي الله عن عثمان، لحرصه على النهضة المسايرة للشريعة ورضي الله عن الصحابة المعارضين لحرصهم على أهدافها، وجزى الجميع عن الإسلام خير الجزاء.

المباحث العربية

(عند قول الناس فيه) أي في عثمان، وذلك أن بعضهم أنكر عليه تغييره بناء المسجد، وتكلموا في عثمان يخطئونه ويلومونه.

(حين بنى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم) في الكلام مجاز المشارفة، أي حين أراد أن يبني، لأن النقد والإنكار توجه إليه حين خطط للبناء وأعد أدواته وأعلن عزمه قبل أن يبني، ولم يبن عثمان المسجد إنشاء، وإنما وسعه وشيده، فأطلق البناء على التجديد، والمراد من المسجد هنا بعضه، لأن الذي شيد بعضه لا كله، فقد بقيت رحبة واسعة.

(إنكم قد أكثرتم) أي أكثرتم الكلام والإنكار على فعلي.

(من بنى مسجدا) التنكير للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع عند الترمذي "صغيرا أو كبيرا وفي رواية" ولو كمفحص قطاة" والقطاة طائر صغير، ومفحصه عشه الذي يضع فيه البيض.

(يبتغي به وجه الله) أي يطلب به رضا الله، والمراد من ذلك الإخلاص.

(بنى الله له بيتا في الجنة) في بعض الروايات في الصحيح "بنى الله له بيتا مثله في الجنة" ولا شك أن المماثلة في مسمى البيت، إذ موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها. وبناء الجنة من در وياقوت، ولعل المماثلة في أصل الصفات لا في مقدارها، فالمسجد الواسع يجازى ببيت واسع، والمسجد المشيد يجازى ببيت مشيد، بقطع النظر عن ماهية ومقدار التشييد، ولعل هذا هو مقصد عثمان رضي الله عنه من الاستدلال بالحديث على فعله.

فقه الحديث

مما لا شك فيه أن إنكار البعض على عثمان إنما كان موجها إلى الغلو في مواد البناء، دون إعادة البناء، ودون التوسعة التي أرادها، فلم ينكر أحد على عمر التوسعة التي وسعها، ولا إعادة البناء، ولهذا نجد من الصعوبة فهم رد عثمان على أنه رد مقنع، هم ينكرون الغلو، ولا ينكرون البناء وفضله وعثمان يدلل على فضل البناء، وحتى رواية "بنى الله له في الجنة مثله" لا تؤيد المماثلة في التشييد والمغالاة، وإلا لتنافس المسلمون في ذلك بدرجة لا يقول بها أحد من العلماء.

ويبدو لي أن عثمان أقنع المنكرين بما لم يذكر في الحديث، وأنه اقتصر على هذا الجزء كدليل على فضل بناء المساجد، وأغفل الكلام الآخر الخاص بالواقعة الخاصة، لعله قال لهم: إن عمر الحجارة يفوق بكثير عمر اللبن، وإن خشب الساج يفوق متانة الجريد، فطول عمر البناء بهما يعادل زيادة تكاليفهما، بل إن التكاليف في تلك الأيام لم يكن يحسب لها حساب فقد امتلأت خزائن الدولة وخزائن الناس، فلعله قال لهم: إن المسجد يجب أن يجد المصلي فيه راحته وأمنه من الحر والبرد، ليتفرغ قلبه للعبادة، وأنه ينبغي أن لا يقل قبولا عند المصلين عن بيوتهم. ونحو ذلك مما أقنعهم.

والحديث يفيد إنكار زخرفة المساجد، فإن الصحابة أنكروا التشييد بالخشب والجص، مع فائدتهما في ذات البناء وقوته، فإنكارهم للزخرفة بناء على هذا لا شك فيه، لعدم وجود الفائدة، مع الإضرار بالخشوع، وعلى ذلك فليس من الشريعة زركشة المساجد بالألوان المختلفة، ولا كتابة الآيات والأحاديث على الجدران، كل ذلك بدع نشأت في عهد الوليد بن عبد الملك قال الحافظ ابن حجر: وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة. ثم قال: ورخص في ذلك بعضهم، وهو قول أبي حنيفة، إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف على ذلك من بيت المال وقد حاول البدر العيني -وهو حنفي المذهب أن يضعف القول الذي نسب إلى أبي حنيفة، فقال: مذهب أصحابنا أن ذلك مكروه، وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد معناه تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يخرجه، سواء أكان ناظرا أم غيره، إما لاشتغال المصلي به، وإما لأنه إخراج المال في غير وجهه. اهـ.

والحق أن المنع من الزخرفة للعلتين معا، شغل المصلي ووضع المال في غير وجهه، وعدم الزخرفة لا يؤدي إلى الاستهانة بالمساجد فلتشيد المساجد دون زخرفة، وما أكثر العمارات الخالية من الزخرفة المشيدة كأحسن تشييد، يدعو إلى الإعجاب والتقدير والإكبار، لقد كان عمر قادرا على زخرفة المسجد ولكنه قال للصانع: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر، فتفتن الناس. رواه البخاري.

والحديث يدعو إلى إخلاص النية لله، ومعنى ذلك توقف هذا الجزاء على الإخلاص، أما من يقصد ببناء المسجد المباهاة والمراءاة فإن عمله محبط. وهل يدخل في ذلك من شهر مسجدا باسمه؟ أو كتب اسمه عليه؟ قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدا من الإخلاص.

وظاهر الحديث أن الجزاء المذكور مرتبط بالبناء، لكن لو نظرنا إلى المعنى والحكمة، استحق هذا الجزاء من وقف قطعة الأرض، ومن أمر بالبناء، ومن أنفق عليه، ومن اشترك فيه متطوعا، ومن عمل فيه بأجر، فالله واسع الفضل ففي الحديث "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة. صانعه المحتسب في صنعته [متطوعا أو بأجرة يقصد معها وجه الله] والرامي به، والممد له" أي المناول.

جزء
1
صفحة
0114_0118
مسلسل
32
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقي...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ...
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم