- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورا". المعنى العام
من فضل الله على الأمة الإسلامية أن جعل لها الأرض كلها مسجدا وجعل أماكن الصلوات شهداء للمصلي يوم القيامة، وجعل البركة والرحمة تحل في مكان العبادة، وأنزل ملائكته تشهد الصلاة في أماكن المصلين المختلفة ومن هنا كان للبيوت حق في أن تحل بها بعض عبادة أصحابها.
ثم إن المسلم مطالب بتدريب أهله على الصلاة، وفيهم من لا يستطيع حضور الصلاة في المسجد كالنساء والمرضى، فكان من الخير له ولهم أن يصلي بعض الصلوات في بيته ليراه ويقتدي به أمثال هؤلاء.
ومن هذا المنطلق رغبت الشريعة الإسلامية في الصلاة في البيوت، وأن يجعل المسلم لبيته نصيبا من صلاته، ليحل الخير فيه، ونفرت الشريعة الإسلامية من حرمان البيوت من الصلاة، ومن ذكر الله، فشبهت البيوت التي لا يصلى فيها بالقبور، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلب النوافل في بيته وقال: "إن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" وقال: "اجعلوا بعض صلاتكم في بيوتكم".
أعاننا الله على ذكره وشكره وحسن عبادته.
المباحث العربية
(اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) "من" تبعيضية، أي اجعلوا بعض صلاتكم في بيوتكم، وهذا البعض يصدق بفريضة أو راتبة أو نافلة مطلقة والتحقيق سيأتي في فقه الحديث.
(ولا تتخذوها قبورا) في الكلام تشبيه بليغ، حذف فيه الأداة ووجه الشبه والأصل: ولا تتخذوها كالقبور في هجرها من الصلاة. أو في كونها إنما نقصد للنوم الذي هو موت، وذكر بعضهم في بيان وجه الشبه أربعة معان أحدها: أن القبور مساكن الأموات الذين سقط عنهم التكليف، فلا يصلي فيها، وليس كذلك البيوت، فصلوا فيها، ثانيها: أنكم نهيتم عن الصلاة في المقابر، لا عن الصلاة في البيوت، فصلوا فيها، ولا تشبهوها بها، ثالثها: أن مثل الذاكر كالحي، وغير الذاكر كالميت، فمن لم يصل في البيت جعل نفسه كالميت، وجعل بيته كالقبر، الرابع: قول الخطابي: لا تجعلوا بيوتكم أوطانا للنوم، فلا تصلوا فيها، فإن النوم أخو الموت.
فقه الحديث
ذكر الإمام مسلم في هذا المقام مجموعة من الروايات، منها "صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا". إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا".
"عليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة". "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت". ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة".
قال بعض العلماء: إن المراد ببعض الصلوات المطلوب صلاته في البيوت إنما هو بعض من الفرائض، ليقتدي به من لا يخرج إلى المسجد من النساء والمرضى.
والجمهور على أن المراد به النوافل، لأن السر في عمل التطوع أفضل وهذا هو الأظهر، على أن رواية "فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة "ورواية" إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته" ترجحان أن المراد صلاة النافلة، بل تكادان تكونان نصا في ذلك.
وعمم الإمام النووي خيرية الصلاة في البيوت في جميع النوافل، راتبة الفرائض والمطلقة، ولم يستثن إلا النوافل التي هي من شعائر الإسلام، وهي العيد والكسوف والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح، وبعضهم استحب الرواتب في المسجد، وقصر البيوت على النفل المطلق.
ومن فوائد الصلاة في البيوت تبركها بالصلاة، ونزول الرحمة فيها وحضور الملائكة، ونفرة الشيطان منها، وقال القاضي عياض: إنما أمرنا بالصلاة في البيوت لأن النوافل في البيوت أبعد عن الرياء، وأصون من المحيطات، ولما ورد في الحديث "توروا بيوتكم بذكر الله تعالى، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبورا كما اتخذها اليهود والنصارى، فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله، ويكثر خيره، وتحضره الملائكة وقد حصن من الشياطين" رواه الطبراني.
ويؤخذ من الحديث:
1- أخذ منه بعضهم من مقارنة البيوت والقبور أن الحي أفضل من المبيت، وأن في طول العمر في الطاعة فضيلة.
2- الندب إلى الصلاة في البيوت.
3- الندب إلى ذكر الله تعالى في البيوت، وأنه لا يخلى من الذكر فيه.
4- استدل به بعضهم على كراهة الصلاة في المقابر.
5- استدل به بعضهم على منع الدفن في البيوت، ويؤيده حديث سلم "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" وأجازه بعضهم مستدلا بدفن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، الذي كان يسكنه أيام حياته، ورد هذا بجواز أن يكون من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن كل نبي يدفن حيث يقبض، ورد هذا الرد بدفن أبي بكر وعمر في بيت عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجيب بأن هذا خاص بصحبتهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم.