- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة". المعنى العام
من فضل الله ورحمته وكرمه على الأمة الإسلامية أن يسر لها سبل الطاعة وفتح لها أبواب العبادة في شتى الظروف، ومختلف الأحوال، جعل لها الأرض كلها مسجدا، وشرع لها ذكره تعالى باللسان والقلب قياما وقعودا وعلى الجنوب، ويسر التقرب إليه بالصلاة على الدابة، دون التقيد باستقبال القبلة
فأينما تولوا فثم وجه الله
وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحي إليه قولا وعملا، وهو في هذا يسافر على راحلته فينوي صلاة النافلة، لا يتحرى بوجهه وصدره القبلة، بل جهة السير والمقصد، ولا يقف في مواطن الوقوف في الصلاة، ولا يجلس في مواطن جلوسها، ولا يسجد سجودها، بل هو على طبيعة الراكب في جلوسه على دابته، يومئ عند الركوع، ويخفض رأسه أكثر من الركوع عند السجود. تلك شريعة الله في النافلة في السفر، يسر وتيسير ولا حرج، أما الفريضة فلها وضعها، كان صلى الله عليه وسلم ينزل فيستقبل القبلة فيصلي على الأرض، ليس في ذلك مشقة، فهي دقائق ولها وقتها المحدد والموسع. فالحمد لله رب العالمين.
المباحث العربية
(كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته) الراحلة الناقة التي تصلح لأن ترحل وتقال على الذكر والأنثى من الإبل، قاله الجوهري، وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء والهاء في الراحلة للمبالغة لا للتأنيث.
(حيث توجهت به) يعني إلى جهة القبلة أو غيرها.
فقه الحديث
هذا الحديث نص في جواز التنفل على الراحلة في السفر حيث توجهت قال النووي: وهذا جائز بإجماع المسلمين، وشرط أن لا يكون سفر معصية إذ لا يجوز الترخيص بشيء من رخص السفر لعاص بسفره، كمن سافر لقتل نفس، أو لقطع طريق، أو عاقا لوالديه، أو ناشزا على زوجها.
ثم قال: ويجوز التنفل على الراحلة في قصير السفر وطويله عند الشافعية وعند الجمهور، ولا يجوز في داخل البلد وحولها من غير سفر، وعن بعض الشافعية أنه يجوز التنفل في البلدة وحولها من غير سفر على الدابة، وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وعن مالك أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، قال النووي: هو قول غريب.
قال العلماء: واعتبرت الطريق المقصود بدلا من القبلة، بحيث لا يجوز الانحراف عن الطريق المقصود عامدا لغير حاجة المسير، إلا إن كان سائرا في غير جهة القبلة فانحرف إلى جهة القبلة، فإن ذلك لا يضره.
وهل يشترط أن يفتتح الصلاة باستقبال القبلة؟ خلاف. والظاهر أنه لا يشترط لظاهر عموم الحديث.
ولم يوضح الحديث كيفية الصلاة على الراحلة، لكن في رواية البخاري عن عامر بن ربيعة قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على الراحلة يسبح -أي يتنفل -يومئ برأسه قبل أي وجه توجه" وظاهره الإيماء في الركوع والسجود معا ولكن الفقهاء قالوا: يكون الإيماء في السجود أخفض من الركوع، ليكون البدل على وفق الأصل، وذهب الجمهور إلى طلب السجود على الدابة لمن قدر عليه وتمكن منه دون مشقة، وعن مالك أن الذي يصلي على الدابة لا يسجد وإن تمكن من السجود، بل يومئ.
وظاهر الحديث أن جواز ترك استقبال القبلة في التنفل خاص بالراكب دون الماشي، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك، لأن ذلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها، وأجاز الشافعية والحنابلة تنفل الماشي قياسا على الراكب، ولأن السر في هذه الرخصة تيسير تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها، تعظيما لأجورهم رحمة من الله بهم، غير أن بعض هؤلاء المجيزين اشترط استقبال الماشي للقبلة في إحرامه، وعند الركوع، والسجود، واشترط السجود على الأرض، وله التشهد ماشيا، كما أن له القيام ماشيا، واشترط بعضهم التشهد قاعدا، فلا يمشي إلا في حالة القيام.
وراكب السفينة، ومثله راكب الطائرة، لا يتنفل إلا إلى جهة القبلة لتمكنه من الاستقبال بخلاف راكب الراحلة. هذا قول الشافعية والجمهور وعن مالك رواية أنه يجوز لراكب السفينة ما يجوز لراكب الدابة.
أما المكتوبة فلا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه إلا في شدة الخوف، قال النووي: فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود وهو على الدابة وهي واقفة، عليها هودج أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح عند الشافعية، فإن كانت سائرة لم تصح على الصحيح، وقيل: تصح كالسفينة، فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع.
وفي بعض الروايات الصحيحة أن قوله تعالى
فأينما تولوا فثم وجه الله
نزل في صلاة النافلة في السفر على الراحلة، قال العلماء: وحملت هذه الآية على النافلة في السفر، كما حمل قوله تعالى
وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره
على الفرائض وعلى النوافل في غير السفر. والله أعلم.