الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر".

المعنى العام

السفر قطعة من العذاب، كثير المشاق مهما تيسرت وسائله، فيه فراق الأهل والوطن والمعارف، وفيه ترك الأموال والممتلكات، وفيه يصبح الإنسان غريبا، عرضة للأخطار.

لهذه المشاق الجسيمة والنفسية خفف الله عن الأمة الإسلامية بعض فرائضها فأباح الفطر للصائم المسافر، مع القضاء، ورخص للمصلي أن يقصر الصلاة الرباعية، وأن يصليها، ركعتين في ثواب أربع ركعات، صدقة تصدق الله بها على عباده المسلمين.

وسواء أكان ابتداء فرض الصلاة مثنى، ثم زيد في صلاة الحضر ركعتان في الظهر والعصر والعشاء -كما تقول عائشة -أم كان ابتداء فرضها على ما هو عليه الآن، وخففت وقصرت في السفر، كما يقول الجمهور -فمما لا شك فيه أن هناك تخفيفا على المسافر رحمة من الله تعالى به.

فله الحمد، وله الشكر، حمدا وشكرا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد.

المباحث العربية

(فرض الله تعالى الصلاة) "الصلاة" عام مخصوص، والمراد غير المغرب أي الظهر، والعصر والعشاء والفجر.

(فأقرت صلاة السفر) أي ثبت حكمها الأول ركعتين دون تغيير.

(وزيد في صلاة الحضر) في الظهر والعصر والعشاء، في كل منها ركعتان فصارت أربعا.

فقه الحديث

ظاهر الحديث أن الصلاة -فيما عدا المغرب والصبح -فرضت أولا ركعتين في الحضر والسفر، ثم زيدت صلاة الظهر والعصر والعشاء إلى أربع في الحضر، وذكر الضحاك في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حدة الإسلام الظهر ركعتين، والعصر ركعتين والمغرب ثلاثا والعشاء ركعتين والصبح ركعتين، فلما نزلت آية القبلة تحول للكعبة، وكان قد صلى هذه الصلوات نحو بيت المقدس، فوجهه جبريل عليه السلام بعد ما صلى ركعتين من الظهر نحو الكعبة، وأومأ إليه بأن صل ركعتين، وأمره أن يصلي العصر أربعا والعشاء أربعا، والغداة ركعتين. وقال: يا محمد. أما الفريضة الأولى فهي للمسافرين من أمتك والغزاة. اهـ.

وإلى هذا القول ذهب جماعة من العلماء، والجمهور على خلافه، وتأولوا قول عائشة، ولم يلتفتوا إلى تفسير الضحاك، إذ لا يثبت به حكم، لأنه خال عن صفات الحديث الصحيح.

وقال الأصيلي: أول ما فرضت الصلاة، أربعا على هيئتها اليوم، وأنكر قول عائشة، وقال: لا يقبل في هذا خبر الآحاد. ولسنا مع الأصيلي في رد حديث عائشة، لأن الحديث صحيح مروي في الصحيحين، وطرقه عن عائشة كثيرة ومشهورة، ولكننا نؤول حديثها ونعمل به، وخير ما قيل في تأويله: إن المراد من قولها "فرضت" أي قدرت، وقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر لي وبه تجتمع الأدلة أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح لطول القراءة فيها وإلا المغرب لأنها وتر النهار، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية، فالمراد على هذا بقول عائشة "فأقرت صلاة السفر" ما آل إله الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت. اهـ.

والتأويل ضروري لأن حديثها يتعارض أولا مع قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة لأنه دال على أن الأصل الإتمام، إذ القصر معناه التنقيص، فالآية صريحة في أنها كانت في الأصل أربعا.

ويتعارض ثانيا مع ما لوحظ في أول فرض الصلاة ليلة المعراج من قصد التخفيف على الأمة، والانتقال من الاثنين إلى الأربع فيه تشديد ويتعارض ثالثا مع عملها، إذ ثبت أنها كانت تتم في السفر، وإذا كان الأصل في السفر اثنتين فلا أصل للأربع في السفر، لا أول التشريع ولا آخره، وراوي الحديث إذا خالف عمله روايته لا يجب العمل بروايته، أو تؤول.

وكان من السهل عدم الاكتراث بهذا الخلاف، لولا أنه استدل به على أن القصر في السفر فريضة وواجب، لأن الفرض الذي لم تتغير فرضيته لا يجوز خلافه، ولا تجوز الزيادة عليه، ألا ترى أن المصلي في الحضر لا يجوز له أن يزيد في صلاة عن عدد ركعاتها، ولو زاد عامدا فسدت صلاته؟ فكذا المسافر لا يجوز له أن يصلي أربعا، لأن فرضه في الصلاة ركعتان. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية عنهما وكثير من العلماء: يجوز القصر والإتمام والقصر أفضل خروجا من خلاف من أوجبه، ولهم أدلة كثيرة لا تليق بهذا المختصر. وقد نقلتها في كتابي "فتح المنعم شرح صحيح مسلم".

هذا وللقصر في السفر شروط منها أن يكون السفر مباحا، واشترط بعضهم أن يكون سفر طاعة، وجوز أبو حنيفة القصر في سفر المعصية، ومنها أن يكون السفر مسافة ثمانية وأربعين ميلا -أي نحو ثمانين كيلو مترا، وشرط أبو حنيفة في مسافة القصر ألا تقل عن مائة وعشرين كيلو مترا، وقال داود وأهل الظاهر: يجوز القصر في السفر الطويل والقصير، حتى لو كان خمسة كيلو مترات. ومنها أن لا ينوي الإقامة أكثر من أربعة أيام عند الشافعية، ولا يحسب يوم الدخول ويوم الخروج، وعند الحنابلة أن لا ينوي الإقامة قدرا يزيد على إحدى وعشرين صلاة. وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة خمسة عشر يوما مع يوم الدخول أتم، وإن نوى أقل من ذلك قصر.

وابتداء القصر من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه، وعند بعض الحنفية إذا أراد السفر صلى ركعتين قصرا، ولو كان في منزله، ومنهم من قال: إذا ركب. وفي العودة له أن يقصر حتى يدخل بيته.

وإن فاتته صلاة في السفر فقضاها في الحضر جاز له قصرها على الأصح عند الشافعية، وبه قال أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقصر، وإن فاتته صلاة في الحضر فقضاها في السفر لم يجز له القصر بلا خلاف.

وإذا دخل وقت صلاة وتمكن من أدائها في الحضر، ثم سافر في أثناء الوقت فإن له أن يقصر على الراجح. والله أعلم.

جزء
1
صفحة
0085_0088
مسلسل
26
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقي...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ...
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم