الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".

المعنى العام

انتشر الإسلام في البدو والحضر، وسطع نوره في طرق المدينة وشعاب الصحارى، وغزا شغاف القلوب الهينة اللينة، والقلوب القاسية الجافية، كان الأعراب خلف أغنامهم يسمعون به فيؤمنون، ثم ينتهزون فرصة قربهم من المدينة فينزلون إليها، ويقصدون مسجدها لينعموا برؤية رسول الإسلام ومشافهته، ومن هؤلاء الأعراب الجفاة ذو الخويصرة اليماني دخل المسجد النبوي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه، فسلم، ثم صلى ،ثم قال بصوت جهوري: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حجرت واسعا، بل قل: اللهم ارحمني ومحمدا والمسلمين. ثم قام ذو الخويصرة، فانتحى ناحية من المسجد، وفي زاوية من زواياه وقف يبول، ورآه الصحابة فثارت ثائرتهم، وصاحوا: مه. مه. اكفف. اكفف. به. به. توقف. توقف، وثاروا عليه، واتجهوا نحوه يزجرونه ويردعونه فناداهم رسول الرحمة. تعالوا. دعوه. دعوه. لا تقطعوا عليه بوله.

دعوه فليكمل. إنه جاهل بالحكم. إنه لا يقصد إساءة للمسجد، إنه يظن أن المكان الذي هو فيه كبقية أماكن الصحراء، إنه يظن أنه متى بعد عن الناس تبول كيف شاء. قدروا ظروف الرجل، فقد بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، يسروا ولا تعسروا، وتحملوا أخف الضررين، تنجس المكان وانتهى الأمر، وقطعكم لبوله سيحدث به ضررا، وسيلوث بدنه وثوبه وأماكن أخرى من المسجد. قالوا: فما العمل يا رسول الله؟ فقال: ائتوني بدلو كبير مملوء ماء فجاءوا به فقال: صبوه على مكان بوله، شيئا فشيئا تطهر الأرض، ثم دعا الرجل وبغاية الرفق ومنتهى اللين قال له: إن هذه المساجد لا يليق بها البول والقذر فقد خصصت لذكر الله والصلاة.

قال: أحسنت يا رسول الله، وجزاك الله خيرا. بأبي أنت وأمي. لن أعود لمثلها أبدا.

المباحث العربية

(قام أعرابي في المسجد) الأعرابي واحد الأعراب، وهم من سكن البادية عربا أو عجما، فالأعرابي مقابل الحضري، والعربي مقابل العجمي، وفي وصف الرجل بالأعرابي اعتذار عن فعله، والمراد بالمسجد المسجد النبوي بالمدينة.

(فتناوله الناس) أي بالزجر واللوم، ففي البخاري "فزجره الناس" وفي مسلم "فصاح به الناس" فقالوا: مه مه" والمراد بعض الناس أي بعض الصحابة الحاضرين في المسجد.

(دعوه) في رواية "ولا تزرموه" بضم التاء وسكون الزاي وكسر الراء، أي لا تقطعوا عليه بوله.

(وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء) يقال: هريقوا وأريقوا أي صبوا على مكان بوله، والسجل بفتح السين وسكون الجيم الدلو العظيمة والذنوب بفتح الذال وضم النون الدلو المملوءة ماء، ولا يقال لها وهي فارغة ذنوب.

فقه الحديث

يتعرض الحديث إلى تطهير المتنجس، ويحسن بنا أن نستعرض باختصار مذاهب العلماء في التطهير، والتعبير الدقيق أن نطلق على عين النجاسة وجرمها لفظ "نجس" وعلى ما أصابته من مائع أو جامد لفظ "متنجس".

والعين النجسة لا تطهر، إلا ما كان من جلود الميتة، على خلاف بين العلماء، أما ما كان من العين النجسة، كالبول والعذرة فإنه لا يطهر في ذاته وكل ما نفعله إذا أصاب ثوبا أو جامدا أن نزيله ونحوله عنه، وإذا أصاب مائعا أو ماء أن نكثر المائع أو الماء، كثرة تضعف أو تخفي تأثيره، فيصلح المائع أو الماء للاستعمال.

وإزالة النجاسة لا تجوز إلا بالماء عند الشافعية والجمهور، وأصح الروايتين عن أحمد، وهو منقول عن مالك، وقال أبو حنيفة: يجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع كالخل وماء الورد.

ولو وقعت النجاسة في جامد كالفارة تموت في السمن أخرجت وما حولها وانتفع بالباقي.

والحديث الذي نحن بصدده في النجاسة تقع على الأرض، فالحنفية يرون أنه إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة كالبول، فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء حكم بطهارتها، وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت عالية هرمية حفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل إلى الحفيرة ثم تكبس الحفيرة. وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل، بل يحفر مكان النجاسة، واستدلوا ببعض روايات الحديث، فعند الدارقطني "احفروا مكانه"، ثم صبوا عليه ذنوبا" وعند أبي داود "خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" وفي مصنف عبد الرزاق "احفروا مكانه، واطرحوا عليه دلوا من ماء".

والشافعية والجمهور على أنه لا حفر، وأن الأرض صلبة أو رخوة تطهر بصب الماء عليها كما هو ظاهر الحديث الصحيح.

ويؤخذ من الحديث:

1- أن الاحتراز من النجاسة كان مقررا في نفوس الصحابة، ولهذا أنكروا بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه.

2- وأن بول الآدمي نجس، وهو مجمع عليه.

3- وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة عن الأرض المتنجسة، ولا يكفي الجفاف بالريح أو الشمس، وهو مذهب الشافعي ومالك والحنابلة، وقال أبو حنيفة: هما مطهران لأنهما يحيلان الشيء.

4- واستدل به على عدم نضوب الماء، لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف، وكذا لا يشترط عصر الثوب.

5- وفيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، فالبول في المسجد مفسدة وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، ففي تنزيه المسجد عن البول مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

6- وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع.

7- وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزم من غير تعنيف.

8- وفيه رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه.

9- وفيه صيانة المساجد عن القذى والأقذار.

جزء
1
صفحة
0066_0070
مسلسل
22
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقي...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم