الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة ثم دعا بجريدة رطبة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منهما كسرة" فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا".

المعنى العام

الإسلام دين النظافة، نظافة الباطن، ونظافة الظاهر، نظافة السلوك ونظافة البدن والثياب، يمثل السلوك الخاطئ المشي بالنميمة بين الناس، ويمثل القذر في الثياب والبدن عدم التنزه من البول والتعرض للتلوث من بقاياه بسبب عدم الاستبراء منه بالحجارة أو الماء.

أمران يستهين بهما المسلم، ولا يحسبهما من الكبائر التي يعذب عليها بعد الموت، مع أنهما من أول ما يعذب من أجله المؤمن، يصور هذا المنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر مع أصحابه بمقابر المدينة. قال لأصحابه: إني أسمع صوت إنسانين في هذين القبرين يعذبان، أسمعهما بقدرة أودعها الله في سمعي، وإن أصواتهما أصوات تأوه وتضجر وتألم مما هما فيه، وقد أخبرني ربي أنهما يعذبان في أمرين استهانا بهما، يعذبان في معصيتين ليستا كبيرتين في حسبان الناس، لكنهما كبيرتان عند الله. كان أحدهما في دنياه لا يتحرز من بقايا البول، فيصيب بدنه وثوبه فتبطل صلاته وهو يدري، وكان الآخر في دنياه ينقل الحديث السيئ من شخص إلى المقول فيه، ويزيد عليه للإيقاع بين الناس. وأخذته الشفقة والرحمة صلى الله عليه وسلم فتوجه إلى الله أن يخفف عنهما، ثم طلب من أصحابه جريدة خضراء لينة بما عليها من خوص فشقها نصفين ووضع على كل قبر من القبرين نصفا، وقيل: إن جريدة النخل والرطب من الزرع يسبح الله ما دام رطبا، ولعل الله يخفف عن المعذبين بسبب هذا التسبيح المستمر إلى أن تيبس الجريدتان.

المباحث العربية

(بحائط من حيطان المدينة) المنورة، والحائط البستان، وأطلق هنا على الحائط الذي يحيط بالقبور.

(أو مكة) الشك من الراوي، لكنه ورد في كتاب الأدب للبخاري بالجزم بأنه من حيطان المدينة.

(فسمع صوت إنسانين) الإنسان يطلق على الذكر والأنثى، وإضافة "صوت" وهو مفرد إلى "إنسانين" وهو مثنى جائز عند النحاة، والجمع أجود جاء به القرآن الكريم في قوله إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما والظاهر أنهما كانا مسلمين، إذ حصر سبب عذابهما في البول والنميمة ينفي كونهما كافرين.

(يعذبان في قبورهما) كان الظاهر أن يقال: في قبريهما، لكنه جمع هنا لأمن اللبس، وهو جائز.

(وما يعذبان في كبير) أي ولا يعذبان في أمر كبير شاق، بل في أمر سهل الترك يسير، أو لا يعذبان في ذنب كبير في نظر الكثيرين، بل في أمر يحسبونه هينا وهو عند الله الكبير.

(بلى) أي بلى إنهما ليعذبان في كبير.

(لا يستتر من بوله) في رواية "لا يستنزه من البول" وفي رواية "لا يستبرئ من البول" وكلها صحيحة، ومعناها لا يتجنب بوله، ولا يتحرز منه فمعنى "لا يستتر من بوله" أي لا يجعل بينه وبين بوله سترا ووقاية، وحمله بعضهم على ظاهره، وأن معناه لا يستر عورته، وهو مردود، لأنه لا يكون لذكر البول حينئذ فائدة.

(وكان الآخر يمشي بالنميمة) وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار.

(ثم دعا بجريدة رطبة) في رواية "فدعا بعسيب رطب" وهو الجريدة والغصن من النخل، وقيل: العسيب هي الجريدة التي لم ينبت فيها الخوص فإن نبت فهي السعفة، وخص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف.

(فكسرها كسرتين) طولا أو عرضا، وفي رواية "فشقه باثنين".

(لعله أن يخفف عنهما) "لعل" للترجي، أي أرجو أن يخفف الله عنهما والهاء في "لعله" للحال والشأن.

فقه الحديث

الحديث صريح في أن عدم الاستبراء من أسباب عذاب القبر، وقد صحح ابن خزيمة حديث "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه ويرى جمهور العلماء أنه من الكبائر، ويؤيدهم ما جاء في بعض الروايات عند البخاري "وما يعذبان في كبير، بل إنه كبير" وفي سبب كونه كبيرا قيل: إنه يؤدي إلى بطلان الصلاة لتنجيسه الثوب والبدن، فتركه كبيرة ولا شك.

ويؤخذ من الحديث:

1- حجة لمذهب أهل السنة في ثبوت عذاب القبر، خلافا للمعتزلة.

2- نجاسة الأبوال مطلقا قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء وذهب أبو حنيفة إلى العفو عن قدر الدرهم الكبير للمشقة، وفي الجواهر للمالكية: أن البول والعذرة من بني آدم الآكلين دون الرضع نجسان، وهما طاهران من كل حيوان مباح أكل لحمه.

3- وفيه حرمة النميمة، وهي كبيرة بلا خلاف.

4- استدل به بعضهم على استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور، ومثله كل ما فيه رطوبة من الأشجار والزهور وغيرها، لكونها تسبح ما دامت رطبة، وليس لليابس تسبيح. لكن الخطابي أنكر مثل هذا الفعل وقال عن الحديث: إنه دعا لهما بالتخفيف مدة النداوة، لا أن في الجريدة معنى يخصها، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، وجعلها بعضهم خصوصية له صلى الله عليه وسلم ببركة يده فلا يقتدي به، لأنه علل وضعهما بأمر مغيب وهو عذابهما، وغيرهما لا نعلم إن كان يعذب أو لا **، ورده الحافظ ابن حجر فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن لا نتسبب في أمر يخفف عنه العذاب لو عذب، كما ندعو بالرحمة لمن لا نعلم أرحم أم لا.

5- استدل به بعضهم على استحباب قراءة القرآن على القبور، لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن أعظم رجاء وبركة، ومذهب أبي حنيفة وأحمد وصول ثواب القراءة إلى الميت وأجمع العلماء على أن الدعاء ينفع الأموات، ويصلهم ثوابه.

6- وفيه التحذير من استمرار النجاسات في البدن أو الثوب دون إزالة.

جزء
1
صفحة
0061_0065
مسلسل
21
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقي...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم