- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال "لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". المعنى العام
سبحان من خلق الإنسان وفي طبعه الشك والنسيان، ثم سلط عليه الشيطان الوسواس الخناس، ليأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ليوسوس له، ويشككه في عبادته، ويخرجه من الإقبال على ربه، سبحانه جل شأنه يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، خفف عن الإنسان، ورفع عنه الحرج والضيق أمام الشك والوسواس. رسم له قاعدة استصحاب الأصل وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وتكفل- جل شأنه -أن يعفو عن الخطأ، ويتقبل العمل، وإن وقع على خلاف الأصل، رحمة منه وفضلا فالمصلى الذي يخيل إليه أنه أحدث وهو في الصلاة، ويخيل إليه أنه خرج منه الريح المبطل للوضوء، المبطل للصلاة، لا ينبغي أن يخرج من الصلاة ولا أن يعتقد بطلانها، بل عليه أن يستصحب الأصل، أي الطهارة التي دخل بها في الصلاة، وأن يطرح الشك الذي طرأ عليه، وأن لا ينصرف حتى يتيقن الحدث، يقينا لا يمازجه شك، يقينا ناشئا عن الحواس الموجبة للعلم، يقينا صادرا عن السمع أو الشم، لا ينصرف حتى يسمع بأذنه ** صوت الريح، أو يشم بأنفه ريح الحدث بهذا الطريق الشرعي الذي رسمه الإسلام، يسد المسلم على الشيطان أبواب إغوائه، ويدفع عن نفسه أخطار الشك والتردد.
المباحث العربية
(أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل) الشاكي عبد الله بن زيد الأنصاري، عم عباد، وفي رواية ابن خزيمة. عن عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل.... إلخ.
(الذي يخيل إليه) بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الياء الثانية المفتوحة وأصله من الخيال، والمعنى ظن، والظن هنا أعم من تساوي الاحتمالين أو ترجيح أحدهما على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين.
(أنه يجد الشيء) أي الحدث، والعدول عن ذكره صراحة، للأدب وصيانة اللسان عن المستقذر، حيث لا ضرورة. ومعنى وجدانه الحدث ظن خروجه منه.
(في الصلاة) قيد لبيان الواقع وليس للاحتراز، فالحكم خارج الصلاة هو الحكم فيها على ما ذهب إليه الجمهور، وجعله المالكية للاحتراز، وسيأتي توضيحه في فقه الحديث.
(لا ينفتل -أو لا ينصرف) بالشك من الراوي، والفعل مجزوم ب"لا" الناهية، ويجوز الرفع على أن "لا" نافية.
(حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) معناه حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين.
فقه الحديث
قال النووي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث، وهي أن من تيقن الطهارة، وشك في الحديث، حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة. هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف.
وحكي عن مالك روايتان، إحداهما: أنه لزمه الوضوء إن كان شك خارج الصلاة. ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والثانية. يلزمه بكل حال. قال النووي: وقال الشافعية: ولا فرق في الشك بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه، أو يترجح أحدهما أو يغلب على ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال، ويستحب له أن يتوضأ احتياطا.
أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين.
ثم قال النووي: ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك في طلاق زوجته أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر، أو طهارة الماء النجس، أو نجاسة الثوب، أو الطعام، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم هذا الحادث. والله أعلم.
قال القرطبي: ومشهور مذهب مالك النقض داخل الصلاة وخارجها وحمل بعض أتباعه الحديث على من كان به وسواس، وتمسكوا بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة. قال الحافظ ابن حجر: وأجيب بما دل على التعميم وهو حديث أبي هريرة عند مسلم، ولفظه "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه. أخرج منه شيء أو لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا". اهـ, فهذا الحديث لم يتعرض لشكوى شاك، وهو صريح في طرح الشك. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث:
1- مشروعية سؤال العلماء عما يحدث من وقائع.
2- وعدم الاستحياء في العلم.
3- والعدول عن ذكر الشيء المستقبح.
4- ومحاربة الشيطان والوسوسة، وإحباط هذا الكيد بترسيخ اليقين، ففي بعض الروايات "إذ جاء أحدكم الشيطان، فقال: إنك أحدثت. فليقل في نفسه: كذبت".