الصفحة الرئيسية >> الشروح >> المنهل الحديث(دار الشروق)
 
- 5 - عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك فقال إني ساببت رجلا فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم".

المعنى العام

كان أبو ذر يسوي بين نفسه وبين خادمه في الملبس والمأكل، فلما رآه بعض الصحابة، وقد قسم الحلة الواحدة نصفين، لبس نصفها، وألبس عبده نصفها، سألوه: لم لم تجمع بين النصفين لتلبس حلة كاملة؟ فأجاب بقوله: تشاتمت مع رجل، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها، عيرته بسوادها فشكا الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوبخني بأن ما فعلته من خصال الجاهلية الذميمة وأفهمني أن العبيد لم يخرجوا عن كونهم إخوانا في الإنسانية، ولئن رفع الله بعض الناس على بعض فقد أوجب على الأسياد حسن معاملة العبيد والضعفاء في المأكل والمشرب والملبس، بل وفي أسلوب الخطاب، ونهى عن تكليفهم بصعاب تفوق طاقاتهم.

فما أجل هذا التشريع الحكيم، وما أسمى سماحة الإسلام، إنه دين المودة والمحبة والألفة بين الناس.

المباحث العربية

(عن أبي ذر قال ساببت رجلا) الحديث من أول "ساببت رجلا" مقصود لفظه، في محل نصب مقول القول، و"قال" مسبوك من غير سابك نائب فاعل لفعل محذوف، والتقدير: روي عن أبي ذر قوله "ساببت رجلا" إلخ وأبو ذر الغفاري بكسر الغين منسوب إلى غفار، قبيلة من كنانة، روي عنه أنه قال: أنا رابع أربعة في الإسلام، ويقال: إنه خامس خمسة، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، فأقام حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم هاجر إلى المدينة فصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزهده مشهور وتواضعه جم، ومن مذهبه حرمة ما زاد عن حاجة المسلم من المال.

(ساببت) مفاعلة من السب، وهو الشتم وكان السب من الجهتين، كما يدل على ذلك رواية مسلم "فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه" وقد ثبت أن الرجل بلال المؤذن، مولى أبي بكر رضي الله عنهما، ولعل أبا ذر أبهمه خوفا عليه من احتقار السامع.

(فعيرته بأمه) معطوف على "ساببت" والتعيير هو النسبة إلى العار، فهو سب، والفاء تفسيرية، وفي رواية "فعيرته بسواد أمه" وفي رواية "قلت له: يا ابن السوداء "وفي رواية" وكانت أمه أعجمية فنلت منها".

(فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم) معطوف على محذوف، أي فعلم رسول الله، أو شكا الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال.

(أعيرته بأمه؟) الاستفهام إنكاري توبيخي، على معنى ما كان ينبغي أن تعيره بأمه.

(إنك امرؤ فيك جاهلية) "امرؤ" خبر "إن" وهو من نوادر الكلمات، لأن حركة عين الكلمة وهي الراء تتبع لأمها في الحركات الإعرابية فتضم مع الرفع وتفتح مع النصب وتكسر مع الجر، و"فيك جاهلية" خبر ومبتدأ، والجملة صفة "امرؤ" والمراد فيك خصلة ذميمة من خصال الجاهلية، وهي التعيير والسب.

(إخوانكم خولكم) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، لأن المقصود الحكم على الخول بالأخوة، وإنما قدم الخبر للاهتمام به، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأين محذوفين، أي هم إخوانكم، هم خولكم، وخول الرجل حشمه وخدمه الواحد خائل، وهو اسم يقع على العبد والأمة، والمراد من الأخوة هنا الأخوة في الإنسانية.

(جعلهم الله تحت أيديكم) مجاز عن القدرة أو عن الملك، أي جعل الله لكم التصرف والسيطرة عليهم، أو جعلكم مالكين لهم.

(فمن كان) الفاء تفريعية، أو فصيحة في جواب الشرط، تقديره: إذا كان أمرهم كذلك فمن كان...إلخ. و"من" موصولة مبتدأ، وجملة "كان" صلة وقوله "فليطعمه" خبر المبتدأ، ودخلت الفاء عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط.

(مما يأكل) "من" تبعيضية، و"ما" موصولة، والعائد مفعول "يأكل" محذوف، والتقدير بعض الذي يأكله، أي من جنس ما يأكل، فلا يلزم أن يطعمه من كل مأكوله، ومثلها "مما يلبس".

(فإن كلفتموهم) مفعوله الثاني محذوف، أي إن كلفتموهم ما يغلبهم.

فقه الحديث

مطلع هذا الحديث: عن واصل الأحدب عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة -بفتح الراء موضع بالبادية، بينه وبين المدينة نحو ثلاثين ميلا من جهة العراق -وعليه حلة وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، وفي رواية فقلت: يا أبا ذر. لو جمعت بينهما كانت حلة"؟ وفي رواية "فقال القوم: يا أبا ذر. لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة؟ فقال: ساببت رجلا..." إلخ الحديث. والظاهر أن الحلة كانت تتكون من قطعتين من نوع واحد، وأنها كانت لأبي ذر، فلما سمع من الرسول صلى الله عليه وسلم ما سمع فهم أنه لا بد أن يلبس عبده مما يلبس، فقسم الحلة بينه وبين عبده وأخذ يسوي بينه وبين عبده في المأكل والمشرب.

والظاهر أن السب وقع من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، كذا قيل، والأحرى أن يقال: إنه استغضب فغضب، فأخطأ، فندم، فقد روي أنه ألقى بخده على الأرض وقال: لا أرفعه حتى يطأه بلال بقدمه، وإنما وبخه صلى الله عليه وسلم وعنفه مع عظم منزلته تحذيرا له عن معاودة ذلك، وتنفيرا لغيره من خصال الجاهلية الذميمة.

ويؤخذ من الحديث:

1- استحباب إعطاء الخدم والعبيد ما يشعرهم بالمشاركة الفعلية وليس شرطا المساواة، وإنما المطلوب المواساة التي تظهر في الإطعام والإلباس.

2- النهي عن سب العبيد وعن تحقيرهم بآبائهم، ويلحق بهم الخادم والأجير والضعيف.

3- الحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، والرفق بمن كان في حكمهم كالدواب.

4- عدم الترفع على المسلم وإن كان عبدا.

5- منع تكليف العبد ومن في حكمه ما لا يطيق أصلا، أو ما لا يطيق الدوام عليه، لأن النهي للتحريم بلا خلاف.

6- إعانة العبد والخادم، ومساعدته إذا كلف بما فيه مشقة.

جزء
1
صفحة
0027_0030
مسلسل
14
المنهل الحديث(دار الشروق)
كتاب الإيمان
زيادة الإيمان ونقصه في الإسلام
- 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن...
- 2 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله...
- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله ...
- 6 - عن عبد الله بن عمرو رضي الل...
- 7 - عن ابن عمر رضي الله عنهما عن...
- 8 - عن أبي واقد الليثي رضي الله...
- 9 - عن ابن شهاب قال قال حميد بن...
- 10 - عن عباد بن تميم عن عمه أنه...
- 11 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 12 - عن ابن عباس رضي الله عنهما ...
- 13 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 14 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ...
- 15 - عن عائشة رضي الله عنها "أن...
- 16 - عن جابر بن عبد الله رضي ال...
- 17 - عن عائشة أم المؤمنين رضي ال...
- 18 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه...
- 19 - عن جابر بن عبد الله رضي الل...
- 20 - عن علقمة قال: قال عبد الله ...
- 21 - عن عائشة أم المؤمنين أن أم...
- 22 - عن ابن عمر رضي الله عنهما ...
- 23 - عن عثمان بن عفان رضي الله ...
- 24 - عن أبي هريرة رضي الله عنه ع...
- 25 - عن أبي جهيم رضي الله عنه قا...
- 26 - عن عبد الله رضي الله عنه قا...
- 27 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
- 28 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أ...
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10
...
     
 
زوار اليوم5
عدد الزوار الاجمالى1705673
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم