- 4 - عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - وحوله عصابة من أصحابه -"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك". المعنى العام
قبل الهجرة بعام وبعض العام تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لجماعة من المدينة في موسم الحج، وفي عقبة منى بايعهم على الإسلام وعلى أن يخبروا من وراءهم من أهل المدينة، وكانوا اثنى عشر رجلا، من بينهم عبادة بن الصامت وتسمى هذه البيعة بيعة العقبة الأولى، وفي الموسم الثاني للحج قدم مسلما جمع كبير من أهل المدينة، قيل إنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين واجتمع بهم صلى الله عليه وسلم ولكثرتهم طلب منهم نقباء عنهم يبايعهم، فكان من النقباء عبادة بن الصامت، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقولوا الحق ولا يخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن ينصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم عليهم يثرب، فيمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، ولهم الجنة.
وهذه هي بيعة العقبة الثانية، وبها سمي المسلمون من أهل المدينة بالأنصار، وبعد فتح مكة حين جاءت المؤمنات مهاجرات بايعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن، ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصين رسول الله صلى الله عليه وسلم في معروف. وتسمى هذه البيعة بيعة النساء، ثم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال على ما بايع عليه النساء، وقال لهم: من وفى وحافظ، ولم يفعل شيئا من هذه المنهيات فأجره على الله، ومن أصاب من هذه النواهي شيئا، فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ولا يجمع الله عليه عقوبتين. ومن أصاب من هذه الكبائر شيئا ثم ستره الله، فلم يعاقب به في الدنيا فأمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عفا عنه وسامحه وغفر له، وإن شاء عاقبه. وكان عبادة بن الصامت ممن حضر هذه البيعة، كما كان ممن حضر بيعة الرضوان تحت الشجرة، عام الحديبية رضي الله عنه وأرضاه، ورضي عن الصحابة.
المباحث العربية
(عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال) هذا التركيب كثير في الروايات، والجار والمجرور فيه وفي مثله متعلق بفعل محذوف، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر نائب فاعل للفعل المحذوف، والتقدير: روي عن عبادة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(وحوله عصابة من أصحابه) "حول" ظرف مكان خبر مقدم، و"عصابة" مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب حال من فاعل "قال" والعصابة بكسر العين الجماعة من الناس، وهي ما بين العشرة والأربعين.
وذكر هذه الجملة للتوثيق بالرواية، وأن الراوي يذكر الحديث بجميع ظروفه وهيئاته.
(بايعوني) المبايعة في الأصل المعاوضة المالية، والمراد منها هنا المعاهدة وهي شبيهة بالبيع لما أن كلا من المتعاهدين يبذل ما عنده للآخر، فالرسول صلى الله عليه وسلم يبذل الوعد بالثواب والجنة، وهم هنا يبذلون الوعد بالطاعة.
(ولا تسرقوا) المفعول محذوف للتعميم، أي لا تسرقوا شيئا ما، أو الفعل منزل منزلة اللازم، أي لا يكن منكم سرقة.
(ولا تقتلوا أولادكم) بنين كانوا أم بنات مخافة العار أو الحاجة، وخص القتل بالأولاد لأنه كان شائعا فيهم، أو لأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
(ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم) البهتان الكذب الذي يبهت سامعه، أي يدهشه لفحشه وفظاعته، وأصل هذا التعبير كان في بيعة النساء، كنى بذلك عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها زورا وبهتانا، فلما استعمل في بيعة الرجال كما هو، حمل على المباشرة مطلقا والمواجهة بالكذب، إذ ما بين الأيدي والأرجل هو المواجه للآخرين.
(ولا تعصوا في معروف) مفعوله محذوف، جاء في رواية "ولا تعصوني" قال النووي: يحتمل أن يكون حذفه للتعميم، أي لا تعصوني ولا تعصوا أحدا من أولي الأمر في معروف، والمعروف ما عرف من الشارع حسنه، أمرا أو نهيا.
(فمن وفى منكم فأجره على الله) "وفى" بالتخفيف والتشديد بمعنى، أي فمن ثبت على العهد، وأدى العهد وافيا، وأبهم الأجر للتفخيم، لأن الأجر من الكريم لا يكون إلا عظيما، وقد عين هذا الأجر في رواية في الصحيحين إذ قال "فأجره على الله بالجنة" وذكر "على" في "على الله" للدلالة على تحقق الوقوع، كالواجبات، لأن الله لا يجب عليه شيء.
(ومن أصاب من ذلك شيئا) الإشارة للمنهيات المذكورة، والمراد ما عدا الشرك، إذ خرج بدليل آخر كقوله:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. 
(فعوقب في الدنيا) في رواية "فعوقب به في الدنيا" بالحد أو القصاص مثلا.
(فهو كفارة له) أي فالعقاب الدنيوي كفارة وطهور، كذا جاء في رواية الإمام أحمد.
(ثم ستره الله) قال بعضهم عطف هنا بثم، وعطف "فعوقب" بالفاء للتخويف من الوقوع في المعصية لأن السامع إذا علم أن العقوبة تعقب وتفاجئ المعصية خاف ونفر، بخلاف الستر فإنه متراخ بعيد.
فقه الحديث
المسألة الرئيسية في هذا الحديث: هل الحدود كفارات للذنوب لا يعاقب عليها في الآخرة؟ أو ليست كفارات؟ وبعبارة الفقهاء: هل الحدود جوابر؟ أو زواجر؟ أي هل هي تجبر صاحب المعصية وتنقيه من الذنب؟ أو هي لزجره وزجر غيره، وعليه عقوبة أخروية؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة مذاهب. قيل: جوابر، وقيل: زواجر، وقيل: بالتوقف. ولكل أدلته.
وقبل التفصيل والتدليل نسارع بأن قتل المرتد على ارتداده غير داخل في المسألة، فلا نقاش في أن قتله غير مكفر لذنبه، وخروجه من العموم الظاهر في الحديث من قوله "ومن أصاب من ذلك شيئا" حيث إن الإشارة للمذكورات وأولها "أن لا تشركوا بالله شيئا" هذا العموم -كما قال النووي -خصص بقوله تعالى:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء
وبعض العلماء يجعل الإشارة لما ذكر بعد الشرك، بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون، فلا يدخل الشرك حتى يحتاج إلى إخراجه، ويؤيد هذا الفريق ما جاء في مسلم عن عبادة في هذا الحديث "ومن أتى منكم حدا" إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا، ورد الحافظ ابن حجر على هذا الرأي ورجح توجيه النووي، فقال: إن خطاب المسلمين بذلك لا يمنع من التحذير من الإشراك وما ذكر في حقيقة الحد عرفي، فالصواب ما قال النووي.
نعود إلى آراء العلماء وأدلتهم فنقول:
إن القائلين: بأن الحدود كفارات وجوابر، ولو لم يتب المحدود، هم الجمهور، ويستدلون بظاهر هذا الحديث، فهو صريح بأن من أصاب حدا فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له، ثم إن عبادة بن الصامت لم ينفرد برواية هذا الحكم، بل روى ذلك أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أخرجه الترمذي وصححه الحاكم، وفيه "من أصاب ذنبا، فعوقب به في الدنيا، فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة" وللطبراني عن ابن عمر مرفوعا" ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب" ومن أدلتهم حديث ماعز والغامدية، إذ اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم إقامة الحد توبة فقال: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم".
القول الثاني: أن الحدود ليست كفارات إلا مع التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للمعتزلة، ووافقهم ابن حزم وبعض المفسرين واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى:
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم
فالآية حكمت عليهم بعذاب أخروي بعد خزي الدنيا وعقوبة الدنيا، ولم ترفع عقوبة الآخرة إلا بالتوبة، وقد حاول بعض العلماء أن يرد هذا الاستدلال بأن الاستثناء إنما هو من عقوبة الدنيا، ولذلك قيدت بالقدرة عليه. قاله الحافظ ابن حجر. فالآية على هذا معناها أن ذلك الجزاء من التقتيل، أو الصلب، أو تقطيع الأيدي، والأرجل، أو النفي، ثابت لغير الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. لكن بقي لهذا الفريق أن يستدل بالجمع بين عقوبة الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة لهم.
اللهم إلا أن يقال: إن هذا خاص بالمحاربين، فهم يستثنون من العام بالنص عليهم، كما استثنى القاضي إسماعيل من قتل قصاصا، فقال: إن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم، لأنه لم يصل إليه حق. وقد دفع الحافظ ابن حجر هذا الرأي فقال: بل وصل إلى المقتول حق وأي حق؟ فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل، فلولا القتل ما كفرت ذنوبه، وأي حق يصل إليه أعظم من هذا؟ ولو كان حد القتل إنما شرع للردع فقط لم يشرع العفو عن القاتل. اهـ.
القول الثالث: التوقف لحديث أبي هريرة عند البزار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا" وقد حاول الحافظ أن يرد هذا الاستدلال بأن حديث عبادة أصح إسنادا، وبجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم، ثم علم، ولا وجه بعد ذلك للتوقف في كون الحدود كفارة. اهـ.
والذي نميل إليه أن الذي شرع الحدود كعقوبة على الذنب هو الله تعالى، وإذا كنا نطمع في عفوه بدون عقوبة، فمع العقوبة الدنيوية من باب أولى، أما شرط التوبة مع الحد فليس بلازم لأن التوبة وحدها كافية في محو الذنب فلم يكن للحد والعقوبة معها موقع. نعم إن صاحبت الحد كانت خيرا مضموما إلى مكفر، والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم:
1- مشروعية البيعة، وأخذ العهود على عمل الصالحات، والبعد عن السيئات.
2- تعظيم أمر السرقة والزنا، إذ جعلا بين الإشراك وبين قتل الأولاد.
3- تعظيم أمر الكذب، وبخاصة في النسب.
4- استدل بقوله "ولا تعصوا في معروف" على أن الحديث جمع بين المنهيات والمأمورات ولم يهمل الواجبات، إذ العصيان مخالفة الأمر، قال الحافظ ابن حجر: والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل، واجتناب المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح، والتخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل.
5- أدخل بعضهم مصائب الدنيا، من الآلام والأسقام في عموم العقاب وأنها مكفرة لبعض جرائم الحدود إن لم تقم الحدود، والتحقيق أنها لا تدخل في هذا الحديث، لأنها قد تجتمع مع الستر، فتدخل في قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله" نعم بينت الأحاديث الكثيرة أن المصائب تكفر الذنوب، قال الحافظ: فيحتمل أن يراد أنها مكفرة ما لا حد فيه.
6- وفي الحديث في قوله: "ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه" رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، ورد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة.
7- قال الطيبي: وفيه إشارة إلى الامتناع والبعد عن الشهادة على أحد بأنه من أهل النار، أو لأحد بأنه من أهل الجنة، إلا من ورد النص فيهم بأعيانهم.
8- استدل به بعضهم على أن المطلوب ممن ارتكب حدا أن يأتي الإمام ويعترف، ويسأله أن يقيم عليه الحد، ليحصل الكفارة، وقيل: بل الأفضل أن يتوب سرا، وفصل بعضهم بين أن كون معلنا بالفجور فيستحب أن يعلن توبته، وأن يأتي الإمام ويعترف، وإلا فلا... والله أعلم.