- 3 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". المعنى العام
ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها
تلك الكلمة كلمة التوحيد والإخلاص، إذا غرست في القلب ونمت وترعرعت بامتثال الأوامر واجتناب النواهي آتت أكلها، وأثمرت حبا لله، وحبا لرسوله، وينمو هذا الحب ويزداد، ويرتقي صاحبه بالاستغراق في الفرائض والنوافل، حتى يغطي حب الله وحب رسوله كل المشاعر، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ولده ووالده وماله ونفسه.
وتبرز آثار هذا الحب في امتثال أمر الله، والتلذذ بالعبادة والتكاليف الشاقة والرضا بقضائه وقدره، بل يتلقى المحنة بالنفس الراضية المطمئنة، وبنفس الروح التي يتلقى بها المنحة.
فالمحب يرضى بل يحب كل أفعال المحبوب، ويحرص على أن لا يخالفه أو يغضبه، ويتفرع عن هذا الحب حب من يحبه الله ورسوله من أجل حب الله ورسوله، يتفرع عن هذا الحب حب الصالحين ومجالستهم والاقتداء بهم وتتبع سيرتهم، والميل إليهم، لا لشيء إلا لأنهم صالحون، ولأن حبهم من حب الله، ولله، وفي الله.
ويتفرع عن هذا الحب بغض ما يبغضه الله ورسوله، وبغض الكفار والفسقة والعاصين. وينتج عن هذا الحب وذلك البغض بغض لأن يعود المؤمن إلى ذلك الظلام، ظلام الكفر بعد أن أنقذه الله منه وأخرجه إلى النور.
من بلغ هذه الدرجة من الحب بلغ قمة الإيمان، وتمتع بحلاوته، وسعد بسموه ونوره وهدايته، وكانت له الجنات العلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
المباحث العربية
(ثلاث من كن فيه) "ثلاث" مبتدأ، والجملة بعده الخبر، وجاز الابتداء به وهو نكرة لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، والتقدير ثلاث خصال وحذف المعدود يجيز تذكير العدد وتأنيثه، فيصح أن نقول: ثلاثة، أي ثلاثة أمور، و"كان" تامة هنا، أي من وجدن فيه.
(وجد حلاوة الإيمان) أي أحس وشعر بحلاوة الإيمان، فحلاوة الإيمان موجودة في المؤمن بوجود الإيمان، لكنه لا يحسها ولا يستلذها إلا من كانت عنده هذه الخصال الثلاث، فالمؤمن مثله مثل آكل العسل، حلاوة العسل محققة في آكله، لكن إن كان الآكل في صحة وراحة بال فهو يستطيبه ويحس به، ويتلذذ بحلاوته، وإن لم يكن في صحة، أو كان مشغول البال مهموما بأمر من الأمور لم يحس له طعما ولم يشعر بحلاوته، وكذلك المؤمن إن حصل الصفات الثلاث وجد حلاوة الإيمان، وإلا لم يسعد بإيمانه في دنياه ولم ينتفع به النفع الكامل في أخراه.
وقد جاء في بعض الروايات "وجد طعم الإيمان" وهي بمعنى الرواية المذكورة، لأن طعم الإيمان عند المؤمن لا يكون إلا حلوا. ولما كان الطعم والحلاوة من صفات المطعومات كان التعبير بها في جانب الإيمان مجازيا على سبيل الاستعارة التصريحية، بتشبيه انشراح الصدر بالحلاوة.
(أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) المصدر المنسبك من "أن" والفعل خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي أي الخصال الثلاث كذا وكذا وكذا إن روعي المجموع، وتقديره إحداها كذا، وثانيتها كذا، وثالثتها كذا إن روعي كل من الثلاث على حدة.
(وأن يكره أن يعود في الكفر) يقال: عاد إلى كذا أي رجع إليه، وعاد فيه مضمن معنى استقر، أي رجع إليه وانغمس واستقر فيه.
(كما يكره أن يقذف في النار) أي كراهة مشابهة لكراهته أن يقذف في النار، فقوله "كما يكره" صفة لمصدر محذوف. و"ما" مصدرية.
فقه الحديث
الحب الميل إلى الشيء، وهو نوعان، جبلي يغرسه الله في القلب فيحس صاحبه ميلا لا سلطان له على دفعه، ولا قدرة له في اكتسابه، ومن هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم "اللهم إن هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" والنوع الثاني مكتسب بتناول أسبابه، فحب المؤمن لله ينشأ عن التفكير في فضله ونعمائه، فيتقرب إليه جل شأنه بالفرائض والنوافل، حتى يكون أمر الله وطاعته هي كل شيء في حياته، وكذلك الحال بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم اعترافا بفضله وجهاده في سبيل إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
وللحب علامات وآثار لا يوجد بدونها، فطاعة المحبوب والحرص على رضاه دليل المحبة، وصدق الله العظيم حيث يقول:
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله.... 
فقيام المؤمن المحب لربه بالتكاليف الشاقة ليس للحب العقلي كشرب الدواء المر- كما يرى البيضاوي -ولكن للتلذذ بالتكاليف وأدائها، وعدم الشعور بمشقتها، فهي حلوة عنده، تهفو إليها نفسه وتسعد بها مشاعره.
وإذا وصل المؤمن إلى هذه الحالة كمل إيمانه، وشعر بحلاوة الإيمان وحصلت عنده الخصلتان الأخيرتان حصولا لازما تبعيا.
ويؤخذ من الحديث:
1- أن للإيمان حلاوة ولذة يحسها المقربون.
2- الحث على اتباع الأوامر واجتناب النواهي، والإكثار من النوافل لنيل محبة الله ورسوله.
3- الحث على إخلاص محبة الناس وتمحيضها لله تعالى، فحب الناس حبا مشتركا بين الله وبين النفع الدنيوي- كمحبة الصالحين لأنهم صالحون وللانتفاع منهم بالمعاملات الدنيوية- وإن كان حسنا وممدوحا شرعا لكنه لا يصل بصاحبه إلى المرتبة المطلوبة، التي بها يجد حلاوة الإيمان وجودا كاملا. والمراد من المرء المحبوب على هذا، المرء المسلم الصالح فإن الكافر والفاسق ينبغي أن يبغضا في الله، مصداقا لقوله تعالى:
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم 