باب ما جاء في حفظ اللسان
قوله: (عن عقبة بن عامر) الجهني صحابي مشهور اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين وكان فقيهاً فاضلاً.
قوله: (ما النجاة) أي ما سببها (قال أملك عليك لسانك) أمر من الملك. قال في القاموس: ملكه يملكه ملكاً مثلثة احتواه قادراً على الاستبداد به وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكاً بمعنى انتهى. قال الطيبي أي أحفظه عما لا خير فيه. وقال صاحب النهاية: أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك. وقال القاري في المرقاة: وقع في النسخ المصححة يعني من المشكاة أملك بصيغة المزيدة مضبوطة انتهى.
قلت: الظاهر من حيث المعنى هو أملك من الثلاثي المجرد، وأما أملك من باب الأفعال فلا يستقيم معناه هنا إلا بتكلف (وليسعك) بكسر اللام أمر من وسع يسع. قال الطيبي: الأمر في الظاهر وارد على البيت وفي الحقيقة على المخاطب أي نعرض لما هو سبب للزوم البيت من الاشتعال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار (وابك على خطيئتك) قال الطيبي من بكى معنى الندامة وعداه يعلى أي اندم على خطيئتك باكياً.
قوله: (هذا حديث حسن) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا في العزلة وفي الصمت والبيهقي في كتاب الزهد وغيره كلهم من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عنه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب انتهى.
قوله: (عن أبي الصهباء) قال في تهذيب التهذيب: أبو الصهباء الكوفي عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري رفعه: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان الحديث. وعنه حماد بن زيد وغيره ذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وقال في التقريب مقبول من السادسة.
قوله: (إذا أصبح ابن آدم) أي دخل في الصباح (فإن الأعضاء) جمع عضو كل عظم وافر بلحمه (كلها) تأكيد (تكفر اللسان) بتشديد الفاء المكسورة، أي تتذلل وتتواضع له من قولهم كفر اليهودي إذا خضع مطاطأ رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه كذا قيل. وقال في النهاية: التكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه (فتقول) أي الأعضاء له حقيقة أو هو مجاز بلسان الحال (اتق الله فينا) أي خفه في حفظ حقوقنا (فإنا نحن بك) أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك (فإن استقمت) أي اعتدلت (استقمنا) أي اعتدلنا تبعاً لك (وإن اعوججت) أي ملت عن طريق الهدى (اعوججنا) أي ملنا عنه اقتداء بك. قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم: إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. قلت: اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم، كما في قولك: شفي الطبيب المريض. قال الميداني في قوله: المرء بأصغريه، يعني بهما القلب واللسان. أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير.
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم انتهى.
قوله: (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان وابن أبي الدنيا.
قوله: (أخبرنا عمر بن علي) بن عطاء بن مقدم المقدمي بصري أصله واسطي ثقة، وكان يدلس شديداً من الثامنة.
قوله: (من يتوكل لي) بالجزم على أن من شرطية. قال في النهاية: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به. وقيل هو بمعنى تكفل انتهى. وفي رواية للبخاري: من يضمن لي. قال الحافظ: بفتح أوله وسكون الضاد المعجمة والجزم من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية فأطلق الضمان وأراد لازمه. وهو أداء الحق الذي عليه. فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال انتهى (ما بين لحييه) بفتح اللام وسكون الحاء والتثنية هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان علواً وسفلاً. قال الحافظ: والمراد بما بين اللحيين اللسان وما يتأتى به النطق، وبما بين الرجلين الفرج. وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر انتهى ما في الفتح (أتوكل له) بالجزم جواب الشرط وهو من باب المقابلة (بالجنة) أي دخولها أولاً أو درجاتها العالية.
قوله: (وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق وفي كتاب المحاربين.
قوله: (من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه) أراد شر لسانه وفرجه (دخل الجنة) أي بغير عذاب أو مع السابقين.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان في صحيحه، ورواه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال: من حفظ ما بين لحييه انتهى.
قوله: (وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد هو أبو حازم الزاهد مديني واسمه سلمة بن دينار) قال في التقريب سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج التمار المدني القاص مولى الأسود بن سفيان ثقة عابد من الخامسة (وأبو حازم الذي روى عن أبي هريرة اسمه سلمان الأشجعي إلخ) تقدم ترجمته.
قوله: (عن عبد الرحمن بن ماعز) قال في التقريب: عبد الرحمن بن ماعز، ويقال محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، ويقال ماعز بن عبد الرحمن اختلف على الزهري في ذلك والأول أقوى مقبول من الثالثة (عن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي صحابي وكان عامل عمر على الطائف.
قوله: (حدثني بأمر أعتصم به) أي أستمسك به (قال قل ربي الله ثم استقم) هو لفظ جامع لجميع الأوامر والنواهي، فإنه لو ترك أمراً أو فعل منهياً فقد عدل عن الطريق المستقيمة حتى يتوب. ومنه
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
فإن من رضي بالله رباً يؤدي مقتضيات الربوبية ويحقق مراضيه ويشكر نعماءه (ما أخوف ما تخاف عليّ) ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره أخوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهد وألوم وأشغل وما الثانية مضاف إليه خوف وهي موصولة والعائد محذوف أي أي شيء أخوف أشياء تخاف منها عليّ. وقال الطيبي: ما في ما تخاف يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وأن تكون مصدرية على طريقة جد جده، وجن جنونه، وخشيت خشيته (فأخذ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (بلسان نفسه) الباء زائدة لمزيد التعدية (ثم قال هذا) هو مبتدأ أو خبر. والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه.
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا في الترغيب.
قوله: (حدثنا أبو عبد الله محمد) بن عبد الله بن إسماعيل (بن أبي ثلج) بمثلثة وجيم (البغدادي) أصله من الري صدوق من الحادية عشرة (حدثنا علي بن حفص) المدائني نزيل بغداد صدوق من التاسعة (أخبرنا إبراهيم بن عبد الله) بن الحارث (بن حاطب) الجمحي، صدوق، روى مراسيل من السابعة.
قوله: (لا تكثر الكلام بغير ذكر الله) فيه إشارة إلى أن بعض الكلام مباح وهو ما يعنيه (فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة) أي سبب قساوة (للقلب) وهي النبو عن سماع الحق، والميل إلى مخالطة الخلق. وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء، وكثرة الغفلة عن دار البقاء (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) أي صاحبه، أو التقدير أبعد قلوب الناس القلب القاسي. أو أبعد الناس من له القلب القاسي. قال الطيبي رحمه الله: ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لأنه به كما قيل: المرء بأصغريه أي بقلبه ولسانه فلا يحتاج إذاً إلى حذف الموصول مع بعض الصلة، قال تعالى
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
الآَية. وقال عز وجل
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ 
قوله: (حدثني أبو النضر) اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، مولاهم البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قصر ثقة ثبت من التاسعة.
قوله: (هذا حديث غريب إلخ) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: رواه الترمذي والبيهقي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
قوله: (سمعت سعيد بن حسان المخزومي) المكي قاص أهل مكة، صدوق له أوهام من السادسة (حدثتني أم صالح) بنت صالح، لا يعرف حالها من السابعة (عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة. وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر الدارقطني إدراكها كذا في التقريب.
قوله: (كلام ابن آدم عليه) أي ضرره ووباله عليه وقيل يكتب عليه (لا له) أي ليس له نفع فيه أو لا يكتب له ذكره تأكيداً (إلا أمر بمعروف) مما فيه نفع الغير مع الأوامر الشرعية (أو نهى عن المنكر) مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية (أو ذكر الله) أي ما فيه رضا الله من الأذكار الإلهية. قال القاري: وظاهر الحديث أنه لا يظهر في الكلام نوع يباح للأنام، اللهم إلا أن يحمل على المبالغة والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس بسديد. وقد يقال إن قوله لا له تفسير لقوله عليه، ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى: أو يقال التقدير: كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه إلا المذكورات وأمثالها فيوافق بقية الأحاديث المذكورة، فهو مقتبس من قوله تعالى
لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ
وبه يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح انتهى كلام القاري.
قوله: (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ حسن غريب وأخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان، قال المنذري في الترغيب: رواته ثقات وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح انتهى.