- 43 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد".

المعنى العام

لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أن الله خص الأمة المحمدية بالفضل فمنحها السبق على الخلائق يوم القيامة في الحشر والحساب، ودخول الجنة وإن كانت هي آخر الأمم زمانا، وظهورا على وجه الأرض، ففي مسلم "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق".

وأوضح في باقي الحديث ميزة أخرى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان قد فرض على أهل الكتاب، وعلى أمة محمد تعظيم الجمعة، والقيام بالذكر والشكر والعبادة فيه، فاختلف أهل الكتاب، ونازع اليهود نبيهم وجادلوه في أن يبدل لهم هذا اليوم بيوم السبت، فجعل عيدهم، كما خالف النصارى وغيروا وبدلوا بعد رفع المسيح، وجعلوا عيدهم يوم الأحد، واستقر حالهم على ذلك، وهكذا كان اختلاف أهل الكتاب في اليوم الذي فرض الله عليهم فلم يهتدوا له، وادخره الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وهداها إليه بفضله، فهم لنا تبع حيث نبدأ بالجمعة ويأتي السبت عقب الجمعة، والأحد عقب السبت. كما أنهم سيكونون تبعا لنا في حساب الآخرة، ودخول الجنة فنحن السابقون عليهم بالفضل في الدنيا، وفي الموقف يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا زمانا، وأوتيناه من بعدهم. والله أعلم.

المباحث العربية

(الآخرون) الذين جاءوا آخر الأمم زمانا في الدنيا.

(السابقون) الأولون المتقدمون على غيرهم منزلة وكرامة.

(يوم القيامة) أي في الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة.

(بيد) مثل "غير" وزنا ومعنى وإعرابا، فهو منصوب على الاستثناء، وهو اسم ملازم للإضافة إلى "أن" وصلتها، ويصح أن يكون بمعنى "مع" فيكون منصوبا على الظرفية، والمعنى عليه حسن.

(أنهم) يرجع الضمير إلى أهل الكتاب "اليهود والنصارى".

(الكتاب) التوراة والإنجيل فأل فيه للعهد، وقيل للجنس.

(ثم هذا يومهم) الإشارة إلى يوم الجمعة المفهوم من المقام.

(فرض الله عليهم) فرض بمعنى ألزم وأوجب، ومفعوله محذوف، والتقدير فرض الله عليهم تعظيمه بعينه والاجتماع فيه.

(فالناس لنا فيه تبع) الفاء للتفريع، أو التسبب، والمراد بالناس اليهود والنصارى فأل فيه للعهد.

(اليهود غدا) المراد به يوم السبت، "والنصارى بعد غد" المراد به يوم الأحد "وغدا وبعد غد" خبران عما قبلهما، وليس فيه الإخبار بظرف الزمان عن الجثة أي عن الذات، لأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير تعييد اليهود غدا وتعييد النصارى بعد غد، وبذلك يصير الزمان خبرا عن اسم معنى، كقولنا: صوم المسلمين غدا.

فقه الحديث

في بعض الآثار أن موسى عليه الصلاة والسلام عين لهم يوم الجمعة وأخبرهم بفضيلته، فناظروه، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا، واختلفوا معه، فأوحى الله تعالى إليه: "دعهم وما اختاروا" قال النووي: يمكن أن يكونوا أمروا به صريحا، فاختلفوا. هل يلزم بعينه؟ أم يسوغ إبداله بيوم آخر؟ فاجتمعوا في ذلك فأخطأوا. اهـ.

وروى الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه قال: أرادوا الجمعة، فأخطأوا، وأخذوا السبت مكانه. وقال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض الله عليه وهو مؤمن، وإنما يدل -والله أعلم -أنه فرض عليهم يوم، وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو؟ ولم يهتدوا ليوم الجمعة. اهـ. والظاهر أنه عينه لهم لأن السياق دل على ذمهم في العدول عنه، فلو لم يعينه لهم، ووكل التعيين إلى اجتهادهم، لكان الواجب عليهم تعظيم يوم لا بعينه، فإذا أدى الاجتهاد إلى أنه السبت، أو الأحد لزم المجتهد ما أدى إليه الاجتهاد، ولا يأثم. ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم "هذا يومهم الذي فرض الله عليهم".

وإنما اختار اليهود يوم السبت لزعمهم الفاسد أنه فرغ الله فيه من خلق الخلق قالوا فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل فيه بالعبادة والشكر لله تعالى. واختار النصارى يوم الأحد لأنه أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخليقة، فاستحق التعظيم، ولزعمهم أن المسيح عليه السلام بعد ما صلب ودفن خرج من القبر ورفع إلى السماء يوم الأحد، فاتخذوه عيدا مخالفين شريعة التوراة التي لم ينسخها المسيح نفسه حين وجوده بينهم.

وطريق الهداية إلى ذلك اليوم يحتمل وجهين: أحدهما -أن يكون الله قد نص لنا عليه، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علمه بالوحي، وهو بمكة ولم يتمكن من إقامة الجمعة بها، ولذا جمع بالمسلمين أول ما قدم المدينة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره. والثاني أن تكون الهداية إليه بالاجتهاد، كما يدل له مرسل ابن سيرين عند عبد الرزاق بإسناد صحيح، ولفظه "جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار إن لليهود يوما يجتمعون فيه، كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه، نذكر الله تعالى، ونصلي فيه، فجعلوه يوم العروبة اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة وهذا وإن كان مرسلا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وداود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغيره، من حديث كعب بن مالك قال: "كان أول من صلى بنا الجمعة، قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أسعد بن زرارة" فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد. قال الحافظ في الفتح: ولا يمنع ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي وهو بمكة، ولم يتمكن من إقامتها هناك، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق. اهـ.

ولا يقال إن يوم الجمعة مسبوق بأحد وسبت، إذ لا يتصور أحد اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقا.

ويؤخذ من الحديث:

1- أن الجمعة فرض على المسلمين لقوله "فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له "لأن التقدير فرض الله عليهم وعلينا، فضلوا وهدينا، ويؤيد ذلك رواية مسلم "كتب علينا".

2- أن الهداية والإضلال من الله تعالى وهذا يوافق مذهب أهل السنة.

3- أن سلامة الإجماع من الخطأ مخصوص بأمة محمد حيث أجمع اليهود والنصارى على غير الحق.

4- أن الاجتهاد في زمن نزول الوحي جائز، حيث اجتهد الصحابة بالمدينة.

5- أن الجمعة أول الأسبوع شرعا، ويدل على ذلك تسمية الأسبوع كله جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع سبتا.

6- فيه دليل على زيادة فضل أمة محمد، وأنها استسلمت لحكم الله تعالى وما اختار لعباده.


الكتاب :- المنهل الحديث  رقم الجزء :- 1  رقم الصفحة :-   0212_0216 مسلسل :- 53
 
الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705807
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم