- 4294 - 133 عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدع بي فاحملني. فقال: "ما عندي" فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".

الكتاب :- فتح المنعم  رقم الجزء :- 7  رقم الصفحة :-   0538 مسلسل :- 51805
  المعنى العام

إن الأولاد مجبنة مبخلة كما يقولون، وقد كان المخلفون من الأعراب يعتذرون بأن بيوتهم عورة، في حاجة إلى من يحميها ويحرسها، كما كان المجاهدون يخشون أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا ونساء ضعيفات، فكان لا بد من سد هذه الثغرة البشرية، وعلاج هذه الظاهرة الطبيعية، فعالجها الإسلام من شعبتين:

الأولى: أنه أوصى القاعدين بأن يخلفوا المجاهدين في أهلهم ومالهم بخير، ولهم من الأجر مثل ما للمجاهدين، وجعل لنساء المجاهدين من الحرمة على القاعدين كحرمة أمهاتهم، فمن زنى من القاعدين بامرأة مجاهد كان كمن زنى بأمه، وجعل حق المجاهد عند هذا الخائن أعلى من أي حق من حقوق الآدميين، فكل حق من حقوق الآدميين له قدر ووزن معلوم، يستوفيه المظلوم من ظالمه يوم القيامة أما خيانة المجاهد في أهله فلا حدود لجزائها إذ يوقف الله تعالى هذا الخائن يوم القيامة ذليلا أمام المجاهد، وقد فتح كتاب حسنات هذا الخائن، ليقال للمجاهد: خذ من حسنات هذا الخائن ما شئت، فماذا نظن بالمجاهد؟ كم من الحسنات يأخذ؟ أخشي على جميع حسنات هذا الخائن إن فني ما قدم من حسنات، أخذ من سيئات المجاهد، فطرحت عليه، فطرح في النار.

الشعبة الثانية مسارعة كبار الصحابة إلى أرملة الشهيد، يعرضون عليها الزواج لرعايتها ورعاية أولادها من بعد العائل الشهيد، كما حدث للسيدة أم سلمة، إذ تقدم لها عمر، ثم أبو بكر، ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما كان للجهاد عنصران أساسيان، لا يتم بنجاح إلا بهما: عنصر المقاتل الآدمي، وعنصر المال المادي لتجهيزه بما يحتاج من نفقة أو ركوبة أو سلاح، ولهذا يقول الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [التوبة: 111] ويقول وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [الأنفال: 60].

ولما كان بعض المسلمين يملك القوة البشرية والمال، فجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وكان بعضهم يملك نفسه والقوة البشرية، ولا يملك القوة المالية، فكانوا يذهبون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقدمون أنفسهم للجهاد، ويطلبون منه أن يحملهم، فيقول لهم: لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون [التوبة: 92].

ولما كان بعض المسلمين يمنعه المرض والعذر عن الخروج، وعنده المال، كان من يجاهد بماله كمن يجاهد بنفسه ومن جهز غازيا فقد غزا، ومن قدم ناقة في سبيل الله ليغزو عليها مجاهد كان له بها يوم القيامة سبعون ناقة، كل ناقة لا تقل عن التي قدمها، والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.

المباحث العربية

(جاء رجل بناقة مخطومة) أي فيها خطام، وهو حبل يلف حول أنف الناقة يشد على أعلى رأسها، لتقاد به، وهو قريب من الزمام، والمراد بهذا الوصف إفادة أنها ذلول صالحة للحمل والركوب.

(هذه في سبيل الله) أي أقدمها لمن يجاهد عليها.

(لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة) قيل: يحتمل أن المراد لك أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة ناقة، كل ناقة منهن مخطومة، يركبها حيث شاء، للتنزه، كما جاء في خيل الجنة.

وهذا من قبيل تضعيف الحسنة بسبعمائة مثل، مصداقا لقوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [البقرة: 261].

(إني أبدع بي) قال النووي: هو بضم الهمزة، وفي بعض النسخ "بدع بي" بحذف الهمزة وتشديد الدال، ونقله القاضي عن جمهور رواة مسلم. قال: والأول هو الصواب، ومعروف في اللغة، وكذا رواه أبو داود وآخرون بالألف، ومعناه هلكت دابتي، وهي مركوبي. اهـ.

وفي كتب اللغة: أبدعت راحلته بضم الهمزة، أي عطبت وكلت وأبدع به أي انقطع عن الرفقة.

(ما عندي) أي ليس عندي ما أحملك عليه.

(ولا تحبسي عنه شيئا) أي مما كنت قد تجهزت به.

(من جهز غازيا في سبيل الله) أي من هيأ له أسباب سفره، وأسباب غزوه وقتاله، وهل المراد تمام التجهيز؟ أو بعضه؟ سيأتي إيضاحه في فقه الحديث.

(فقد غزا) أي حصل له أجر من غزا، وسيأتي بحث ذلك في فقه الحديث.

(ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) بفتح الخاء وفتح اللام مخففة، أي خلفه في قضاء حوائج أهله، من الإنفاق عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، والقيام بشئونهم.

(بعث بعثا إلى بني لحيان من هزيل) "بعثا" مفعول به، أي قطعة من الجيش، وبنو لحيان بكسر اللام وفتحها، والكسر أشهر، قال النووي: وقد اتفق العلماء على أن بني لحيان كانوا في ذلك الوقت كفارا، فبعث إليهم بعثا يغزونهم.

(فقال: لينبعث من كل رجلين أحدهما) أي قال للمسلمين الحريصين على الخروج: ليخرج من كل قبيلة نصف عددها.

(والأجر بينهما) أي إذا خلف المقيم الغازي في أهله بخير، بدليل ما جاء بعد.

(ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج) قال القرطبي: لفظة "نصف" يشبه أن تكون مقحمة، أي مزيدة من بعض الرواة. قال الحافظ ابن حجر: لا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في الصحيح، والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر. اهـ. أي ولكل منهما نصف الأجر المقرر.

(حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم) أي كحرمة أمهات القاعدين، في تحريم التعرض لهن بريبة من نظر محرم، وخلوة وحديث محرم، وفي وجوب البر والإحسان إليهن، وقضاء حوائجهن، التي لا يترتب عليها مفسدة ولا ريبة.

(إلا وقف له يوم القيامة) "وقف" بضم الواو، وكسر القاف، مبني للمجهول، أو وقفه الله، وجعله يقف له، يمنعه من المضي، حتى يستوفي منه حقه.

(فيأخذ من عمله ما شاء) أي فيأخذ المجاهد من حسنات القاعد الخائن ما يشاء، وفي ملحق الرواية "فقال: خذ من حسناته ما شئت" أي قال الله للمجاهد بعد أن أوقفه للخائن: خذ ما شئت من حسناته.

(فما ظنكم؟) أي فما ظنكم بفعل المجاهد؟ كيف ينتقم من الخائن؟ ما تظنون كم يأخذ من حسناته؟ ألا تظنون أنه يستكثر منها، حتى لا يبقى منها شيئا إن أمكنه؟.

فقه الحديث

في الرواية الأولى والرابعة والخامسة فضل تجهيز الغازي، ففي الرواية الأولى أن النفقة على الغازي تضاعف يوم القيامة بسبعمائة ضعف، وفي الرواية الرابعة والخامسة أن المنفق على الغازي كالغازي، وفي الرواية السادسة أن أجر الغزو مشترك بين الغازي والمنفق، وفي تساويهما في الأجر، يقول ابن حبان: معناه المماثلة في الأجر، وأخرج حديث بسر بن سعيد بلفظ "كتب له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيء" ولابن ماجه وابن حبان من حديث عمر نحوه بلفظ "من جهز غازيا حتى يستقل كان له مثل أجره، حتى يموت أو يرجع" وقد أفادت هذه الرواية أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز، وأنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة.

ومن الواضح أن الغازي بنفسه إذا جهز نفسه كفايتها كان له أجر المباشرة بنفسه، وأجر التجهيز، فأجره على هذه الصورة مضاعف، فإذا جهزه غيره حصل للغازي أجر المباشرة، لا ينقص منه شيء من غير تضعيف، ولمن جهزه تجهيزا كاملا مثل أجره، فمجموع الأجر المضاعف بينهما مناصفة، وللمجهز نصف هذا الأجر المضعف، وهو مثل أجر الغازي المباشر للغزو، دون تجهيز.

وفي الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فضل من يخلف الغازي في أهله بخير، وأن له مثل أجر الغازي، وهذا هو المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية السادسة لبعث بني لحيان: وللمقيمين الذين لم يصبهم البعث: لينبعث من كل رجلين أحدهما، والأجر بينهما" أي إذا خلف المقيم الغازي في أهله بخير. ومعنى هذا أن الغازي لو كفى أهله مؤنتهم وكفل لهم راحتهم من بعده بحيث لا يحتاجون رعاية من غيره يحصل له تضعيف الأجر، كمن جهز نفسه، ويكون له ثلاثة أمثال إذا جهز نفسه، وكفل وكفى أهله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو واسع الفضل والجود، والأمر نفسه، إذا جهز الغازي مجهز، وخلفه في أهله بخير خالف آخر، وهذا ظاهر من الرواية الخامسة، ولفظها "من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا".

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم

1- من الرواية الثانية فضيلة الدلالة على الخير، لقوله صلى الله عليه وسلم "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الخبر ليس على إطلاقه لكل أحد، وبأي دلالة، لأن فاعل الخير يبذل جهدا ومشقة، بخلاف الدال، فعموم الحديث عند هؤلاء للترغيب في الدلالة على الخير. قال النووي: والمراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابا بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثوابا، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء، قال الحافظ ابن حجر: وصرف هذا الخبر عن ظاهره -أي كما يدعي ذاك الفريق- يحتاج إلى مستند.

2- وفيه فضيلة التنبيه على الخير.

3- وفضيلة المساعدة لفاعله.

4- وفضيلة تعليم العلم.

5- وتعليم وظائف العبادة، لا سيما لمن يعمل بها من المتعبدين وغيرهم.

6- ومن الرواية الثالثة أن ما نوى الإنسان صرفه في جهة خير، فتعذرت عليه تلك الجهة، يستحب له بذله في جهة أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك، ما لم يلتزمه بالنذر.

7- من فضيلة خلف الغازي في أهله الحث على الإحسان إلى من فعل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مهماتهم.

8- في الرواية الثامنة التحذير من خيانة المجاهد في أهله، فإن هذا الخائن مرتكب لكبائر، وليس لكبيرة واحدة.

والله أعلم.

الاسم:  
البريد الإلكترونى: *   
نوع التعليق
التفاصيل: *  
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم