قال: فوالله مازلت أرميهم وأعقر بهم" أي مازلت أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم.
قال القاضي: ورواه بعضهم "أرديهم" بالدال "فإذا رجع إلى فارس أتيت شجرة" أي أتيت شجرة حين فاجأني رجوع فارس منهم إلى "فجلست في أصلها" أي مختبئا عند جذعها، محتميا به "ثم رميته، فعقرت به" أي فعقرت فرسه به، ثم جعلت أرميهم "حتى إذا تضايق الجبل، فدخلوا في تضاييقه" أي وصعب على رميهم وإصابتهم بالنبل "علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة" بضم الهمزة وفتح الراء وتشديد الدال المكسورة، أي أرميهم بالحجارة التي توقعهم وتسقطهم عن سفح الجبل "قال: فمازلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله بعيرا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي حتى ما وجدت بعيرا مخلوقا لله هو من ظهر وسرح رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم، حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة، وثلاثين رمحا يستخفون" بكسر الخاء وتشديد الفاء المضمومة، أي يتخلصون منها ليكونوا خفافا، يسهل عليهم الجري والهرب من رمي سلمة "ولا يطرحون شيئا إلا" أخذته وخبأته "جعلت عليه آراما من الحجارة" جمع إرم كعنب وأعناب، أي علامات من الحجارة، تجمع وتنصب بطريقة خاصة في الصحراء "يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أتوا متضايقا من ثنية" أي من طريق في الجبل" فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري" أحد كبرائهم ورؤسائهم، "فجلسوا" معه "يتضحون" أي يأكلون طعام الضحى، وفسره الراوي بقوله "يتغذون" أي يتناولون من الطعام ما به النماء "وجلست على رأس قرن" بفتح القاف وإسكان الراء، وهو كل جبل صغير منقطع عن الجبل الكبير "قال الفزاري" لأصحابه "ما هذا الذي أرى" من الرعب الذي بكم؟ ونقص أمتعتكم وغنيمتكم"؟ قالوا: لقينا من هذا البرح" بفتح الباء وإسكان الراء الشدة، أي لقينا من هذا المسلم الشدة والأذى الكثير، يقال: برح به الضرب أي اشتد، وضربه ضربا مبرحا، أي شديدا وشاقا، "والله ما فارقنا منذ غلس" أي منذ ظلمة الليل المختلطة بضوء النهار حتى الآن الضحى "يرمينا، حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام" أي فلما قربوا مني، وأصبحوا مني بحيث يسمعون كلامي، وأسمع كلامهم "قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟" استفهام سخرية واحتقار "قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني" المراد من الإدراك الإصابة والقتل، ويحتمل الوصول إليه بالجري وراءه، وكان سلمة كذلك في الاحتمالين، فكان في العدو والجري لا يسبق، كما سيذكر عن نفسه في هذا الحديث، وكان راميا متمكنا، يجيد بري النبل واختيار مادته وحجمه، ويجيد إعداد القوس وقوته في الدفع، ويجيد إصابة الهدف "قال أحدهم: أنا أظن" الظن هنا مراد به الاعتقاد والمظنون محذوف للعلم به من المقام أي أنا أعتقد أن ما تقول حقا، وأنك تدركنا ولا ندركك، فخير لنا أن نخليك وشأنك ونرجع "فرجعوا. قال فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي فلم ألبث طويلا حتى رأيت مقدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ركبانا، فوارسه على خيولهم "يتخللون الشجر" أي يدخلون بين الأشجار "قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي، قال: فأخذت بعنان الأخرم" أي بعنان فرس الأخرم، أحول بينه وبين الإسراع نحو القوم، خوفا عليه منهم، فقد أصبحوا موتورين، وهو كثرة، وهو منفرد "قال: فولوا مدبرين" فقد رأوا مقدمة المدد وجيش المسلمين. "قلت: يا أخرم، احذرهم" ولا تسرع إليهم "لا يقتطعوك" لا تمكنهم من أن ينفردوا بك "حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه" بنا "قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق، والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة، قال فخليته، قال: فالتقى هو وعبد الرحمن" الفزاري رئيس جماعة المشركين، فعقر بعبد الرحمن فرسه" أي عقر الأخرم فرس عبد الرحمن الفزاري وهو عليه، فنزل عبد الرحمن، وأمسك بالرمح، وسدده نحو الأخرم "وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول" عبد الرحمن "على فرسه" أي على فرس الأخرم "ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، فطعنه، فقتله، فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم" أي لقد تبعتهم "أعدو على رجلي" وتقدمت على فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعدت عنهم "حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم" أحدا ولا "أرى من "غبارهم شيئا، حتى يعدلوا" فيه التعبير عن الماضي بالمضارع استحضارا للصورة، أي حتى عدل المشركون "قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد" قال النووي: كذا في بعض النسخ، وهو الوجه، وفي أكثر النسخ "ذا قرد". اهـ كل تلك الأحداث مطوية في الرواية الأولى.
خذها وأنا ابن الأكوع
واليوم يوم الرضع
قال: يا ثكلته أمه. أكوعه بكرة؟ قلت: نعم" معنى "ثكلته أمه" فقدته، وقوله "أكوعه" هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار ترمينا؟ أنت متابعنا بالرمي حتى الليل؟ ولهذا قال: نعم، و"بكرة" منصوب غير منون، قال النووي: قال أهل اللغة: يقال: أتيته بكرة، بالتنوين، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين، قالوا: وإذا أردت بكرة يوم بعينه قلت: أتيته بكرة، غير مصروف، لأنها من الظروف غير المتمكنة. اهـ.
"يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، قال: وأردوا فرسين على ثنية" قال النووي: قال القاضي: رواية الجمهور بالدال -أي بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الدال- ورواه بعضهم بالذال. قال: وكلاهما متقارب المعنى، فبالذال معناه خلفوهما، والرذي الضعيف من كل شيء -وفي كتب اللغة: أرذى ناقته هزلها وخلفها- وبالدال معناه أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما ومنه التردية "قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ولحقني عامر" عمه "بسطيحة" وهي إناء من جلد سطح بعضها على بعض "فيها مذقة من لبن" بفتح الميم وإسكان الذال، أي قليل من لبن "وسطيحة فيها ماء، فتوضأت "من الماء" وشربت" من اللبن، "ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على الماء الذي حليتهم عنه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم" قال النووي: كذا في أكثر النسخ "الذي" وفي بعضها "التي" وهو أوجه، لأن الإبل مؤنثة، وكذا أسماء الجموع من غير الآدميين، والأول صحيح أيضا، وأعاد الضمير إلى الشيء الذي غنمه، لا إلى لفظ الإبل "وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها.
(فقلت: يا نبي الله، إني قد حميت القوم الماء، وهم عطاش) أي منعتهم إياه.
(فابعث إليهم الساعة) أي وافرض عليهم شروطك، فهم اليوم ضعاف محتاجون.
(يا ابن الأكوع. ملكت فأسجح) بهمزة قطع، بعدها سين، ثم جيم مكسورة، ثم حاء، ومعناه: فأحسن وارفق، والسجاحة السهولة، أي لا تأخذ بالشدة، بل ارفق، فقد حصلت النكاية في العدو، والحمد لله.
وفي الرواية الثانية "قال: قلت: يا رسول الله، خلني" أي اتركني "فأنتخب" أي فأختار "من القوم" أي من الصحابة "مائة رجل، فأتبع القوم، فلا يبقى منهم مخبر" أي حي يستطيع أن يتكلم ويخبر "إلا قتلته، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بدت نواجذه" أي فتبسم حتى بدت أنيابه "في ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟" أي أتظن أنك بالمائة رجل تستطيع أن تفعل ذلك؟ "قلت: نعم. والذي أكرمك، فقال": إنك لم تكن تستطيع، لأنهم الآن قد وصلوا إلى قبيلتهم ومقاتليهم، فأصبحوا في منعة، لا يواجهها إلا جيش كبير "إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان" أي إنهم اليوم في ضيافة أهليهم في أراضيهم "فجاء رجل من غطفان" أي قادم من أرض غطفان "فقال: نحر لهم فلان" الغطفاني "جزورا، فلما كشفوا جلدها" وسلخوها، ليشووا لحمها، ليأكلوا "رأوا غبارا" ظنوه المسلمين "فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا" من مضرب مضيفهم "هاربين" نحو مضاربهم مذعورين "فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا" بتشديد الجيم، جمع رجال بتشديد الجيم، أي المشاة على أرجلهم "سلمة، قال: ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعا" قال النووي: هو محمول على أن الزائد على سهم الراجل كان نفلا، وهو جدير بالنفل ومستحق له رضي الله عنه، لبديع صنعه في هذه الغزوة.
(ثم رجعنا) أي نحو المدينة، أي أردنا الرجوع، وقصدنا الرجوع، ففيه مجاز المشارفة.
(ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته) فيه التعبير عن الماضي بالمضارع لاستحضار الصورة.
وفي الرواية الثانية "ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء، راجعين إلى المدينة".
(حتى دخلنا المدينة) وهنا أيضا طي لأحداث بينتها الرواية الثانية، ففيها "قال: فبينما نحن نسير -وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدا" أي عدوا على رجليه "قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك" متحديا "قال: فلما سمعت كلامه قلت" له: "أما تكرم كريما"؟ أي أما تحترم الناس، وتراعي مشاعر الكرماء منهم؟ "ولا تهاب شريفا"؟ أي أما تعمل حسابا لكبار القوم وأشرافهم؟ "قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ذرني" أنزل عن ناقتك "فلأسابق الرجل. قال: إن شئت. قال: قلت" للرجل: "اذهب" أي ابدأ الجري والسباق "إليك" أي خذ البداية "وثنيت رجلي" أي بدأت الجري، والجري لا يكون إلا بثني الرجلين، واحدة بعد الأخرى "فطفرت" أي فقفزت ووثبت "فعدوت" أي فجريت، قال: فربطت عليه" نفسي، يقال: ربط نفسه عن كذا، أي منعها "شرفا أو شرفين" والشرف ما ارتفع من الأرض، والمعنى توقفت عن الجري حتى سبقني مرتفعا أو مرتفعين والأرض إلى المدينة ارتفاع وانخفاض "أستبقى نفسي" بإسكان الفاء، أي احفظها من أن يضربها استمرار الجري، "ثم عدوت في إثره" حتى قربت منه "فربطت نفسي شرفا أو شرفين، ثم إني رفعت" درجة العدو "حتى ألحقه" أي حتى لحقته "فأصكه" أي فصككته "بين كتفيه، قلت: قد سبقت والله" فيه التعبير عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، والمراد ستسبق والله "قال: أنا أظن" ذلك، أي أعتقد أنني سأسبق، وأنت ستكون السابق. "قال: فسبقته إلى المدينة".
فقوله في الرواية الأولى "ويردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى دخلنا المدينة" فيه طي، و"حتى" ليست غاية للإرداف، بل هي غاية لمحذوف، كما وضح من الرواية الثانية.
(قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) قصة الحديبية قصة أخرى، لا علاقة لها بغزوة ذي قرد، ذكرها سلمة محدثا عن نفسه، وعن بطولته، كما كان أمره في غزوة ذي قرد، وغزوة الحديبية قد تقدمت. والمراد من الحديبية هنا بئرها، لقوله فيما بعد "وعليها خمسون شاة لا ترويها".
(ونحن أربع عشرة مائة) قال النووي: هذا هو الأشهر، وفي رواية "ثلاث عشرة مائة" وفي رواية "خمس عشرة مائة".
وفي رواية البخاري "والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أيضا "عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك".
(فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبا الركية) الجبا بفتح الجيم وتخفيف الباء ما حول البئر، وفي كتب اللغة: ما حول الحوض والبئر من التراب، إذ هو مساعد على الجبو وجمع الماء، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء البئر، والمشهور "ركي" بغير هاء، ووقع هنا "الركية" بالهاء، وهي لغة حكاها الأصمعي وغيره، وفي رواية البخاري "فجلس على شفيرها" وفي رواية أخرى له "فأتى البئر، وقعد على شفيرها".
(فإما دعا) ربه ليفيض عليهم الماء.
(وإما بصق فيها) مع الدعاء أيضا، قال النووي: هكذا هو في النسخ "بسق" بالسين، وهي صحيحة، يقال: بزق، وبصق، وبسق، ثلاث لغات بمعنى، والسين قليلة الاستعمال. اهـ.
وفي رواية للبخاري "ثم دعا بإناء من ماء، فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبه فيها" وفي أخرى له "ثم قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به، فبصق، فدعا، ثم قال: دعوها ساعة" وفي دلائل البيهقي "أنه أمر بسهم، فوضع في قعر البئر، فجاشت بالماء" وفي رواية له عن جابر "فقيل لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا".
(فجاشت) أي ارتفع ماؤها وفاض، يقال: جاش الشيء يجيش جيشانا إذا ارتفع.
(فسقينا واستقينا) أي فسقينا أنفسنا ودوابنا، وأخذنا من مائها في أوعيتنا، يقال: استقى من البئر إذا أخذ من مائها، ويقال: استقى المعارف والأخبار من كذا، أي استمدها وحصل عليها من كذا، وفي رواية للبخاري "فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا"
(ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعانا للبيعة في أصل الشجرة) بيعة الرضوان، وقد سبق الكلام عنها في غزوة الحديبية.
(قال: وأيضا) أي وبايع في وسطهم أيضا، يقال: آض يئيض أيضا، أي عاد، وهو هنا مصدر منصوب بفعله المحذوف، والجملة معطوفة على محذوف معلوم، أي بايعت أول الناس، وتبايع في وسطهم عودا.
(فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم حجفة أو درقة) الحجفة الترس من جلود بلا خشب ولا رباط من عصب، والدرقة شبيهة بها.
(التي أعطيتك) عائد الصلة محذوف، المفعول الثاني لأعطي، أي التي أعطيتكها.
(لقيني عمي عامر عزلا) منصوب على الحال من الفاعل، قال النووي: ضبطوه بوجهين، أحدهما فتح العين مع كسر الزاي، والثاني ضمهما، وقد فسره بالذي لا سلاح معه، ويقال له أيضا: أعزل، وهو أشهر استعمالا.
(إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي) أي إنك تشبه أول من قال: اللهم أعطني حبيبا هو أحب إلي من نفسي، فقد أعطيت عمك ما أنت أحوج إليه منه، فكأنه أحب إليك من نفسك.
(ثم إن المشركين راسلونا الصلح) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ "راسلونا" من المراسلة وفي بعضها "راسونا" بفتح الراء الممدودة وتشديد السين مضمومة وحكى القاضي فتحها أيضا وهما بمعنى راسلونا مأخوذ من قولهم: رس الحديث يرسه إذا ابتدأه وقيل: من رس بينهم إذا أصلح وقيل: معناه فاتحونا من قولهم: بلغني رس من الخبر أي أوله ووقع في بعض النسخ "واسونا" بفتح السين أي اتفقنا نحن وهم على الصلح والواو فيه بدل من الهمزة وهو من الأسوة.
(أتيت شجرة فكسحت شوكها) الساقط منها على الأرض أي كنست ما تحتها من الشوك.
(فاضطجعت في أصلها) أي بجوار جذعها وجذورها.
(فأتاني أربعة من المشركين) أي فأتوا إلى شجرتي يستريحون تحتها.
(فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم) يقال: وقع فلان في فلان وقيعة ووقوعا سبه واغتابه وعابه.
(قتل ابن زنيم) بضم الزاي وفتح النون.
(فاخترطت سيفي) أي سللته من غمده.
(ثم شددت على أولئك الأربعة) أي عدوت عليهم لأصحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهينة من أجل ابن زنيم.
(فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي) أي حزمة في يدي.
(إلا ضربت الذي فيه عيناه) أي إلا ضربت رأسه وقطعتها.
(وجاء عمي عامر برجل من العبلات) بفتح العين والباء وهم أمية الصغرى من قريش والنسبة إليهم عبلى ترده إلى الواحد واسم أمهم عبلة قال القاضي: أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد الله بن عبد شمس بن عبد مناف نسبوا إلى أم لهم من بني تميم اسمها عبلة بنت عبيد.
(يقال له: مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وكسر الراء بعدها زاي.
(يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين) الفرس المجفف بفتح الجيم وفتح الفاء الأولى المشددة أي عليه تجفاف بكسر التاء وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه من السلاح وجمعه تجافيف.
(دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) "بدء الفجور" بفتح الباء وسكون الدال ثم همز أي ابتداؤه قال النووي: وأما "ثناه" فوقع في أكثر النسخ هكذا بثاء مكسورة وفي بعضها "ثنياه" بضم الثاء وبالياء بعد النون قال القاضي: والأول هو الصواب أي عودة ثانية. اهـ. والمعنى دعوهم دون أذى فإن كانوا بدءوا الفجور بقتل زنيم فإننا نعفو عن الأولى وننتظر الثانية لنأخذهم بالفجورين.
وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا
[الفتح: 24] أي وهو الذي كف أيدي كفار مكة والمراد ببطن مكة الحديبية وبعضها من حرم مكة
من بعد أن أظفركم عليهم
أي من بعد أن أظهركم وأقدركم عليهم وسيأتي سبب آخر لنزول هذه الآية سيأتي في الحديث التالي.
(ثم خرجنا) من الحديبية.
(فنزلنا منزلا بيننا وبين بني لحيان جبل وهم المشركون) "لحيان" بكسر اللام وفتحها لغتان وهم مشركون في ذلك الوقت وأل في "المشركون" للكمال في الصفة أي المشركون المتأصلون في الشرك الموغلون فيه المتعصبون له وقال النووي: "وهم المشركون" بضم الهاء على الابتداء والخبر هكذا ضبطت كما ضبطت بفتح الهاء وتشديد الميم أي هموا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخافوا عائلتهم يقال: همني الأمر أذابني.
(فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه) كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يكلف أحدا من أصحابه بمهمة خطيرة بل كان يعرض ويعرض الأمر عرضا رقيقا ليتطوع بها من يرى نفسه أهلا لها ومن عنده استعداد وطيب نفس وكأنه صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اغفر لمن يصعد هذا الجبل ليطلع على تحركات المشركين فينذرنا إذا أرادونا بسوء.
(فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثا) القاف مكسورة في "رقي" و"رقيت" رقي بكسر القاف وفتح الياء يرقى بفتح القاف رقيا بفتح الراء وسكون القاف ورقيا بضم الراء وإسكان القاف ورقية بفتح الراء وسكون القاف وفتح الياء أي صعد ومفعول "رقيت" محذوف أي رقيت الجبل أي علوته وصعدته أما "رقى" بفتح القاف يرقي بكسرها فمن الرقية.
(فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهره) هذا ابتداء كلام عن غزوة ذي قرد وقد سبق القول عنها ثم انتقل سلمة عن غزوة ذي قرد إلى علاقته بغزوة خيبر فقال: "فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر" وقد شرحنا بقية كلامه هناك في غزوة خيبر.
فقه الحديث
يتعرض هذا الحديث إلى ثلاث وقائع:
الأولى: غزوة ذي قرد سببها أحداثها نتائجها دور سلمة بن الأكوع فيها.
ويؤخذ منها
1- منقبة لسلمة بن الأكوع.
2- جواز الصياح العالي للإنذار بالعدو ونحوه.
3- جواز تعريف الإنسان بنفسه في الحرب إذا كان شجاعا وقوله مثل قول سلمة: أنا ابن الأكوع ليرعب خصمه وليبعث في نفسه الإقدام.
4- من قوله صلى الله عليه وسلم "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة" استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضل لا سيما عند صنيعهم الجميل لما فيه من الترغيب لهم ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل وهذا كله في حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه.
5- وفيه منقبة لأبي قتادة.
6- وفي إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرون في غطفان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
7- وجواز عقر خيل العدو في القتال حيث كان سلمة يعقر خيل المشركين.
8- واستحباب الرجز في الحرب.
9- ومن مناقشة الأخرم لسلمة ما كان عليه الصحابة من حب الشهادة والحرص عليها.
10- وإلقاء النفس في غمرات القتال قال النووي: وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها.
11- ومن أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الناقة جواز الأكل من الغنيمة -قال النووي وفيه نظر إذ يحتمل أن الناقة التي نحرت كانت من سرح النبي صلى الله عليه وسلم الذي استنقذ من القوم.
12- وفي صعود سلمة على جبل بني لحيان بناء على طلب النبي صلى الله عليه وسلم بعث الطلائع.
13- وفي موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم على موافقة سلمة للرجل جواز المسابقة على الأرجل بلا عوض ولا خلاف في جوازه أما بالعوض فالصحيح أنه لا يجوز.
14- وفي إعطاء سلمة سهمين جواز التنفيل للمستحق.
15- وفي ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي قتادة وسلمة مدح القوة والشجاعة في الحرب.
16- وفي جري سلمة في مواقفه المختلفة جواز العدو الشديد في الغزو.
17- وفي قوله صلى الله عليه وسلم "ملكت فأسجح" الحث على العفو عند المقدرة.
18- وفيه الإرداف على الناقة بشرط إطاقتها.
الواقعة الثانية أو الحدث الثاني الحديبية وبيعة الرضوان ويؤخذ من حديثها:
1- منقبة لسلمة في مبايعته ثلاث مرات.
2- ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زيادة ماء البئر.
3- وتفقد القائد لأحوال جنده والعمل على مصالحهم ومساعدة المحتاج منهم للسلاح.
4- ومن إعطاء سلمة الحجفة لعمه فضيلة الإيثار.
5- وجواز إهداء هدية الغير.
6- وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنت كالذي قال الأول إلخ" ضرب المثل لتقريب المعنى.
7- وفيه ضحك الرسول صلى الله عليه وسلم عند سماع ما سمع من سلمة وأن ضحكه تبسم.
8- وجواز المصالحة مع العدو.
الواقعة الثالثة واقعة غزوة خيبر ويؤخذ من حديثها:
1- معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في إبراء عين علي رضي الله عنه.
2- ومعجزته صلى الله عليه وسلم في إخباره بالفتح وبأنه على يدي علي رضي الله عنه.
3- ومنقبة ظاهرة لعلي رضي الله عنه.
4- وأن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا سواء مات بسلاحهم أو سقط عن دابة أو غيرها أو عاد عليه سلاحه.
5- وجواز المبارزة بغير إذن الإمام.
6- وأن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إيذان بأنه يموت شهيدا.
7- ومن طلب عمر حب الصحابة رضي الله عنهم لعامر.
8- ومن مبارزة علي رضي الله عنه لمرحب وقتله إياه شجاعة علي رضي الله عنه وقوته وبطولته.
والله أعلم.