- 29 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك وأقم الصلاة لذكري".

المعنى العام

حينما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه من غزوة خيبر، وفي ليلة مظلمة بعد أن تعبوا من المسير، نزلوا يستريحون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من يحرسنا؟ فيظل يقظا لا ينام ليوقظنا لصلاة الفجر؟ قال بلال: أنا يا رسول الله. قال: فاحفظنا, لا تفوتنا صلاة الفجر، وناموا، وقام بلال يصلي ما قدر له، ثم أسند ظهره إلى بعير فنام، فلم يستيقظ أحد إلا بعد أن طلعت الشمس، وكان أول من استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فزعا وقام الناس فزعين. قال: يا بلال، ألم أقل لك؟ قال: يا رسول الله. بأبي أنت وأمي أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك من النوم الغالب لقوى البشر، ما ألقيت على نومة مثل هذه النومة قط، وأخذ الصحابة يهمسون: ما كفارة نومنا عن الصلاة؟ وسمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: لكم في رسول الله أسوة حسنة، إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء، ليس في النوم تفريط ولا إثم، إنما التفريط والإثم على من تكاسل وأهمل الصلاة حتى خرج وقتها، فمن نام عن صلاة، أو نسيها فليصل فورا إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، قال تعالى وأقم الصلاة لذكري أي لتذكرك إياها وإياي.

المباحث العربية

(من نسي صلاة) في رواية في الصحيح "من نسي صلاة أو نام عنها" وفيه "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها" والمقصود من الصلاة فريضة أي وقت، وقيل بدخول السنن الراتبة، وسيأتي إيضاحه في فقه الحديث.

(فليصل) المفعول محذوف، أي فليصلها، وفي الصحيح رواية "فليصلها" وفيه "فكفارتها أن يصليها".

(إذا ذكرها) أي حين ذكره لها دون تأخير.

(لا كفارة لها إلا ذلك) أي إلا أداؤها.

وأقم الصلاة لذكري اللام للتعليل أو للتوقيت، أي لأجل ذكري، أو حين ذكري، و"ذكري" مصدر مضاف للفاعل، أي لذكري لك، أي لأذكرك بالمدح في الملأ الأعلى، وهذا بعيد عن موطن الاستشهاد، لأن الذكر في الملأ الأعلى للأداء، والمشهود هنا القضاء، أو المعنى لتذكيري لك بها، فالذكر بمعنى التذكير وهذا أولى، أو مضاف إلى المفعول، أي لتذكرني بها بعد نسيان، وهو أقرب.

وفي الصحيح "فليصلها إذا ذكرها" فإن الله يقول وأقم الصلاة لذكري وهي جزء آية في سورة طه، وكاملها إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري وقد قرئ "للذكرى" بفتح الراء، أي للتذكر.

فقه الحديث

ويؤخذ من الحديث:

1- قال النووي: يؤخذ من قوله "من نسي صلاة فليصل" في رواية "فليصلها" وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر، كنوم ونسيان، أو بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، قال: وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء، قال: وهذا خطأ: من قائله وجهالة. اهـ.

والخطأ والجهالة من قائله ناشئان من أنه ظن أن القضاء من غير المعذور يخرج من وبال المعصية، ولم يقل أحد بذلك.

2- وظاهر قوله "إذا ذكرها" يفيد وجوب المبادرة وعدم التأخير في قضاء الفائتة عن وقت الذكر، لكنه محمول على الاستحباب، ويجوز التأخير عند الجمهور، سواء فاتت بعذر أو بدون عذر، وحكي عن بعضهم أنه يجب قضاؤها على الفور إن فاتت بدون عذر، أي فيأثم بتأخيرها وتصح.

3- استدل بقوله "لا كفارة لها إلا ذلك" أنه لا يجب غير إعادتها، خلافا لمن قال: تعاد المقضية مرتين، مرة عند ذكرها، ومرة عند حضور مثلها الآتي أخذا بظاهر رواية في مسلم "فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" والجمهور على أن المراد من هذه الرواية أنه إذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد.

قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بالمرتين وجوبا، ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب، ليحوز فضيلة الوقت في القضاء لكن قال الحافظ ابن حجر: ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا، بل عدوا الحديث غلطا من راويه . قال: ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين "أنهم قالوا: يا رسول الله. ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ قال: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".

4- استدل بعضهم بتنكير "صلاة" في قوله "من نسي صلاة" على عموم الفريضة والنافلة فقال بوجوب قضاء الفريضة، وباستحباب قضاء النافلة الراتبة. قال النووي: وإن فاتته سنة راتبة، ففيها قولان للشافعي وأصحهما أنه يستحب قضاؤها، وقيل: لا يستحب، وأما السنن التي شرعت لعارض كصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوهما، فلا يشرع قضاؤها بلا خلاف.

5- استدل باستشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: وأقم الصلاة لذكري على أن شرع من قبلنا شرع لنا، لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى عليه السلام، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.


الكتاب :- المنهل الحديث  رقم الجزء :- 3  رقم الصفحة :-   0141_0144 مسلسل :- 38
 
الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705814
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم