- 58 - عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تحشرون حفاة عراة غرلا" قالت عائشة فقلت يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض فقال "الأمر أشد من أن يهمهم ذاك"

المعنى العام

يحدث الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الحشر بعد البعث من القبور فيقول تحشرون إلى الموقف عارية أقدامكم لا يسترها خف ولا تعتمد على نعل عارية أجسامكم لا يخفي عورتكم إزار ولا رداء ويعود إلى أعضائكم ما قطع منها في الدنيا حتى ما يقطعه الخائن وكان في القوم عائشة فتعجبت من هذا الوصف وبما طبع في نفسها من استقباح كشف العورة واستنكار النظر إليها قالت يا رسول الله كيف يحشر الرجال والنساء جميعا وكيف ينظر بعضهم إلى سوأة بعض وأجابها رسول الله اطمئني يا عائشة نعم يحشر الرجال والنساء جميعا عراة ولكنهم لا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض لهول ما هم فيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه

المباحث العربية

(تحشرون) الخطاب للصحابة ومن على شاكلتهم في الإنسانية والحشر إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه ولا يقال الحشر إلا في الجماعة والحشر منه ما هو في الدنيا كحشر جنود سليمان وحشر يهود بني قريظة إلى خيبر ومنه ما هو في الآخرة وهو سوق الأموات من قبورهم بعد البعث إلى الموقف وهذا هو المراد في الحديث

(حفاة) أي بلا نعل ولا خف ولا شيء يستر أرجلهم

(عراة) جمع عار أي بلا شيء يستر عورتهم

(غرلا) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف الذي لم يختن والمقصود أنهم يحشرون كما خلقوا أول مرة ويعادون كما كانوا في الابتداء لا يفقد منهم شيء حتى الغرلة وهي ما يقطعه الخاتن من ذكر الصبي

(الرجال والنساء) الكلام على تقدير الاستفهام والرجال مبتدأ والخبر محذوف والتقدير هل الرجال والنساء يحشرون جميعا

(ينظر بعضهم إلى بعض) الجملة حالية أو هي خبر الرجال وفي الكلام مضاف محذوف أي سوأة بعض كما جاء في رواية أخرى "فقالت وأسواتاه الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض

(الأمر أشد) أي أمر القيامة وأهوال المحشر أشد

(من أن يهمهم ذلك) بضم الياء من أهم الرباعي أي يشغلهم وبفتح الياء من همه الشيء إذا أذاه قال ابن حجر والأول أولى والإشارة إلى نظر بعضهم إلى سوأة بعض

فقه الحديث

وصفت أحاديث أخرى أرض المحشر بأنها ستكون بيضاء كأنها الفضة لم يسفك عليها دم حرام ولم يعمل فوقها خطيئة مستوية لا حدب فيها يرد البصر ولا بناء يستر ما وراءه ولا علامة يعلمها بها أحد ويصف هذا الحديث أهل المحشر بأنهم سيكونون حفاة عراة ولكل واحد ما كان له من الأعضاء يوم ولد فمن قطع عنه شيء رد إليه وقد تعارض ظاهر هذا الحديث مع حديثين

أحدهما رواه أبو داود وصححه ابن حبان عن أبي سعيد أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" وجمع بينهما بأنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي دفنوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة وقيل في الجمع أن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا وهذا القول ليس بشيء وحمل بعضهم قول الرسول في حديث أبي سعيد "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" حمله بعضهم على العمل أخذا من قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير

وثانيهما يفهم من قوله "حفاة" أنهم سيكونون مشاة وهذا صرح به في رواية وهذا يتعارض مع ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير" وجمع الكرماني فقال هذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة والتعبير بالاعتقاب على الإبل مجاز عن الحرص على الفرار والهرب من النار التي يبعثها الله عليهم يؤيد ذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "إنكم تحشرون ونحا بيده نحو الشام رجالا وركبانا وتحشرون على وجوهكم" وعندي أنه يحتمل أن تكون هذه النار مجازا عما يخترعه العالم المتمدن من أسلحة الدمار والخرابمن القنابل الذرية والصواريخ الموجهة وأن هذا الحشر سيكون عبارة عن هجر الناس من المناطق المهدمة إلى مناطق نائية حتى يأتيهم أمر الله وإشارة الرسول نحو الشام ليست نصا في جعله أرض الهجرة والحشر

ويؤخذ من الحديث فوق صفة الحشر السابقة:

1- أن أهوال الآخرة شديدة تشغل الناس عن كل ما يشتهون

2- أن النظر إلى العورة مستقبح وحرام

3- مراجعة المستمع للعالم إذا أشكل عليه الخبر.


الكتاب :- المنهل الحديث  رقم الجزء :- 4  رقم الصفحة :-   0214_0217 مسلسل :- 364
 
الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705807
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم