- 54 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"

المعنى العام

طبع الله الإنسان على حب المال والسعي في طلبه وعدم الشبع منه حتى لو ملك جبلا من ذهب لتمنى جبلا ثانيا ولو ملك جبلين من ذهب وفضة لتمنى ثالثا وهكذا لا يقنع حتى يموت ويدفن وحتى يمتلئ فمه وعيناه وجوفه بعد الفناء بالتراب وخير الناس من عصمه الله من هذا الشر ورزقه غنى النفس وجعل دنياه في يده لا قلبه وإن خير الناس من إذا أعطي الدنيا جعلها وسيلة للآخرة وقال كما قال عمر حينما صبت أمامه كنوز كسرى اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا اللهم الهمنا الرضا وارزقنا أن ننفقه فيما يرضيك يا رب العالمين

المباحث العربية

(لو كان لابن آدم واديان) تثنية واد وهو كل منفرج بين جبال أو آكام وهو منفذ السيل وفي رواية "لو كان لابن آدم مثل واد مالا" وفي أخرى "لو أن ابن آدم أعطي واديا" وفي أخرى "لو أن لابن آدم واديين" قال الشرقاوي وهنا نكتة دقيقة فإنه ذكر ابن آدم ولم يقل لو كان للإنسان تلويحا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبعه القبض واليبس فيمكن إزالته بأن يمطر الله عليه توفيقه فيثمر حينئذ الخلال الزكية

(من مال) وفي رواية "من ذهب" وفي أخرى "من ذهب وفضة"

(لابتغى) أي لطلب وفي رواية "لأحب أن له إليه مثله" وفي أخرى لتمنى مثله ثم تمنى حتى يتمنى أودية

(ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وقعت هذه الجملة موقع التذييل والتقرير للكلام السابق كأنه قيل لا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب وفي رواية "ولا يملأ عين ابن آدم" وفي أخرى "ولا يسد جوف ابن آدم" وفي أخرى "ولن يملأ فا ابن آدم" قال الكرماني ليس المقصود من هذه التعبيرات الحقيقة بل هو كناية عن الموت لأنه مستلزم للامتلاء فكأنه قال لا يشبع من الدنيا حتى يموت فالغرض من العبارات كلها واحد وليس فيها إلا التفنن في الكلام قال الحافظ وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة وقال بعضهم إن نسبة الامتلاء إلى الجوف والبطن واضحة أما نسبته إلى النفس التي عبر بها عن الذات وأريد منها البطن فمن قبيل إطلاق الكل وإرادة الجزء وأما نسبته إلى الفم فلكونه الطريق الموصل إلى الجوف وأما نسبته إلى العين فلأنها الأصل في الطلب لأنه يرى ما يعجبه فيطلبه ليحوزه وخص البطن في أكثر الروايات لأن أكثر ما يطلب المال لتحصيل المستلذات وأكثرها تكرار للأكل والشراب

(ويتوب الله على من تاب) وقعت هذه الجملة موقع الاستدراك فكأنه قال حب المال جبل في الإنسان ولكن يمكن تهذيبه بتوفيق الله لمن يريد له ذلك

فقه الحديث

في معنى هذا الحديث يقول الله تعالى ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر حيث فسر كثير من المفسرين زيارة القبور بالموت يعني شغلكم التكاثر في الأموال إلى أن متم والمراد ذم الحرص على الدنيا والشره نعم جبل الإنسان على حب المال والسعي في طلبه وعدم الشبع منه لكنه مأمور بمخالفة طبعه وموافقة شرعه ولهذا كانت هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب وجعل التخلص منها أو الحد من طغيانها رجوعا إلى الله وإلى شرعته ولا يفهم من هذا أن الإسلام يدعو أبناءه إلى الفقر والخمول ويباعد بينهم وبين السعي ويقصر هممهم عن بلوغ قمة الحياة فالإسلام الذي خرج بالبدو من العصا والعنز إلى قصور وكنوز كسرى وقيصر أبعد ما يكون عن هذا الفهم القاصر ولكنه يحذر من أن يأكل أهله التراث أكلا لما ومن أن يحبوا المال حبا جما يعميهم عن تخير مصدره ويطغيهم عن إحسان مصرفه يحذر من أن تستولي فكر المال على كل أهدافنا فلا نسعى إلا له ولا نفكر فيما بعده يوضح أن هذه الشهوات للقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ينبغي ألا يشغلنا عن حقوق الله وعن حقوق الناس وعما ينتظرنا في الدار الآخرة من جزاء فما هذه الشهوات إلا متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن الثواب ومن أجل هذا يلوح الحديث إلى المبدأ والنهاية بذكر التراب وبتذكيرنا بأننا أبناء آدم الذي خلق من التراب يدعونا إلى غنى النفس قل المال أو كثر وينأى بنا عن خسة بعض المتمولين فقراء النفس الذين هم لشدة شرههم وحرصهم على جمع المال يحسون بأنهم فقراء يأكلون ولا يشبعون بل كلما ازدادوا أكلا ازدادوا جوعا

ويؤخذ من الحديث:

1- أن حب المال وعدم الشبع منه جبلى في الإنسان

2- ذم هذه الصفة والحث على تهذيبها وتقويمها

3- التحول إلى المصالح وطلب توفيق الله لتقويم المعوج من الطباع.


الكتاب :- المنهل الحديث  رقم الجزء :- 4  رقم الصفحة :-   0202_0205 مسلسل :- 360
 
الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705814
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم