- 47 - عن ثابت بن الضحاك -وكان من أصحاب الشجرة- رضي الله عنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله"

المعنى العام

جمع هذا الحديث من الآداب ومحاسن الأخلاق خمسا

1- ألا يحلف بملة غير ملة الإسلام لئلا يتشبه بأصحابها

2- وألا ينذر ما لا يملك إذ لا فائدة من هذا النذر وكأنه يعبث مع الله

3- وألا يحاول الإنسان التخلص من الحياة بأية وسيلة لئلا يعذب بنفس الوسيلة عذابا دائما في الآخرة

4- وألا يتعدى على المؤمن باللعن

5- ولا بالقذف بالكفر فمن فعل ذلك بالمؤمن فكأنما قتله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما

المباحث العربية

(وكان من أصحاب الشجرة) أي شجرة الرضوان بالحديبية وهذه الجملة معترضة لبيان فضل الراوي والتوثيق من روايته

(من حلف على ملة غير الإسلام) الملة الدين والشريعة وهي هنا نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الملل وعلى بمعنى الباء وغير الإسلام صفة ملة أي من حلف بملة مغايرة للإسلام والحلف بالشيء حقيقة في الإقسام به وقد يطلق على التعليق لمشابهته اليمين في قصد المنع وغيره كأن يقال إن فعل كذا كان كذا فالمعنى على الأول من أقسم بملة غير الإسلام كأن قال واليهودية مثلا وعلى الثاني علق ملة غير الإسلام على شيء كأن يقول إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني

(فهو كما قال) الفاء داخلة على جواب الشرط والضمير مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو الخبر وما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي فهو مثل قوله أو كالذي قاله

(وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) أي وفاء نذر والجار والمجرور "فيما لا يملك" متعلق بنذر أو محذوف صفة له

(ومن قتل نفسه بشيء) أعم عن الحديدة والسم والتردي من الجبل المذكور في حديث 41

(ومن لعن مؤمنا فهو كقتله) ضمير "هو" يعود على مصدر دل عليه الفعل أي فلعنه كقتله

فقه الحديث

اشتمل هذا الحديث على خمسة أحكام

الأول الحلف على ملة غير الإسلام

الثاني النذر فيما لا يملك

الثالث قتل الإنسان نفسه

الرابع لعن المؤمن

الخامس قذف المؤمن بالكفر

أما الأول فإن من أقسم بملة غير ملة الإسلام فإما أن يكون معظما لها وإما أن يكون غرضه تأكيد ما أقسم عليه دون تعظيم للمقسم به فإن كان الأول فمعنى "فهو كما قال" فهو كافر وإن كان الثاني فمعناه فهو يشبه من يعظم تلك الملة فهو آثم أو فهو معرض نفسه لاستحقاق مثل عذاب من اعتقد ذلك ومن علق ملة غير الإسلام على شيء كأن قال إن فعلت كذا أو إن لم أفعل كذا أو إن كنت فعلت كذا فأنا على اليهودية أو النصرانية مثلا فأما أن يقصد حقيقة التعليق بأن يؤيد الاتصاف بذلك على تقدير حصول المعلق عليه فهو كافر سواء علق على أمر وقع أو على أمر لم يقع لأن التعليق على واقع يشبه التنجيز ولأن إرادة الكفر كفر وأما ألا يقصد حقيقة التعليق بأن القصد الابتعاد مثلا -وهو الأغلب- فهو غير كافر لكن يحرم عليه ذلك ولا كفارة عليه وتلزمه التوبة لأنه صلى الله عليه وسلم جعل عقوبته في دينه ولم يوجب في ماله شيئا حيث قال "من حلف فقال في حلفه والعزى فليقل لا إله إلا الله"

وأما الثاني فمثله أن يقول إن شفى الله مريضي تصدقت بدار فلان مثلا فليس عليه الوفاء بشيء من هذا النذر لأنه لا يملكها ولا يملك إجبار صاحبها على بيعها له بخلاف ما لو قال فعلي عتق رقبة وهو يملك ثمنها فإنه يعتبر مالكا لرقبة بالقوة

وأما الثالث فقد مضى الكلام عليه في الحديث رقم 41

وأما الرابع فالمراد أن لعن المؤمن كقتله في التحريم أو في العقاب والتقييد بالمؤمن للتشنيع وقيل للاحتراز عن الكافر فيجوز لعنه إذا كان غير معين كقولنا لعن الله الكفار وأما الشخص المعين فلا يجوز لعنه ما دام حيا لجواز أن يوفقه الله للهداية

وأما الخامس فالمراد أن من رمى مؤمنا بالكفر كأن قال له يا كافر أو أنت كافر كقتله في قطع المنفعة لأن القاتل يقطع عن المقتول منافع الدنيا والرامي للمؤمن بذلك يقطعه عن منافع الآخرة وقيل فهو كقتله في إثم لأنه بنسبته له إلى الكفر يحكم بقتله فكأنه قتله بناء على أن المتسبب كالفاعل والأولى حمل هذا والذي قبله على التغليظ والتخويف وهو كثير في الاستعمال كأن تسمع تأنيب زميل لزميله بكلمة جارحة فتقول له أنت قتلته بهذه الكلمة كذلك يحرم رمي المؤمن بالفسق فإن قصد نصحه سرا جاز ما لم يؤد ذلك إلى عناد الفاسق وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من الناس وخصوصا إذا كان الآمر دون المأمور في المنزلة

ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم:

1- مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية

2- وأن جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكا له بل لله تعالى

3- النهي عن سباب المؤمن ولعنه.


الكتاب :- المنهل الحديث  رقم الجزء :- 4  رقم الصفحة :-   0170_0174 مسلسل :- 351
 
الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705816
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم