- 69 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الإيمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم المعنى العام
القلوب كالمعادن تصفو وترق وتشع وتجلو ثم هي تصدأ وتغلظ وتجمد وتسود نعم وللقلوب طلاء كطلاء المعادن وطلاؤها الذكر والتدبر والنظر في مخلوقات الله واتخاذ أسباب التواضع والرفق والحلم والرحمة والخوف والوجل
نعم للقلوب صدأ كصدأ الحديد وسواد ودخان يتكاثف عليها كتكاثفه على النحاس بفعل النار يجلبه الغرور وكثرة المال والتكالب على الدنيا
وقد وصف الله تعالى الصنف الأول في آيات كثيرة فقال
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب
والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون 
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله 
وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة
ووصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا ... السكينة والوقار في أهل الغنم
كما وصف القرآن الكريم الصنف الثاني في آيات كثيرة فقال
ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا 
لهم قلوب لا يفقهون بها 
فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة 
وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بقوله والفخر والخيلاء في أهل الإبل وفي رواية غلظ القلوب والجفاء في المشرق
ويهدف الرسول صلى الله عليه وسلم بعد بيان اختلاف القلوب إلى إعطاء كل ذي حق حقه من المدح أو الذم إلى إعطاء اليمنيين الذين سارعوا إلى الإسلام وقبول الإيمان حقهم من الثناء أتاكم معشر المهاجرين والأنصار... أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة الإيمان يمان والحكمة يمانية... والسكينة والوقار في أهل الغنم وإلى إعطاء ربيعة ومضر الذين قست قلوبهم وأعرضوا عن الإيمان حقهم من الذم والفخر والخيلاء في أهل الإبل جعلنا الله ممن رقت قلوبهم و
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب 
المباحث العربية
(أتاكم أهل اليمن) الخطاب للصحابة والمهاجرين والأنصار وقال لهم هذا القول وهو بتبوك
(هم أرق أفئدة وألين قلوبا) المفضل عليه محذوف أي هم أرق أفئدة ممن سواهم أو من أهل المشرق وهو الأولى والمشهور أن الفؤاد هو القلب وعليه يكون الوصفان الرقة واللين لموصوف واحد وقيل الفؤاد غير القلب فإنه عين القلب أو باطن القلب أو غشاء القلب وأما الوصف باللين والرقة والضعف فالمراد منه أنها ذات خشية واستكانة وأنها سريعة الاستجابة والتأثر لأن الغشاء إذا رق سهل نفوذ الشيء إلى ما وراءه
(الإيمان يمان) أي الإيمان في أهل اليمن أي أنهم لصفات فيهم أسرع قبولا له وأصل يمان يمني نسبة إلى اليمن فحذفت الياء تخفيفا وعوض عنها الألف
(والحكمة يمانية) بتخفيف ياء يمانية لأن الألف فيه عوض عن ياء النسب كما قلنا في يمان ولا يجمع بين العوض والمعوض والياء هنا مزيدة للتوصل إلى تاء التأنيث والحكمة هي كل كلام موافق للحق
وفي القاموس الحكمة العدل والعلم والحلم أهـ وقال بعضهم كل كلمة وعظتك وزجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة والمراد من الحكمة هنا في الحديث العلم المشتمل على معرفة الله تعالى
(والفخر والخيلاء) قد يفرق بينهما بأن الفخر إظهار الكبر وإعلانه سواء كان موجودا بالفعل أو غير موجود والخيلاء إعجاب نفسي وقد يظهر ببعض المظاهر وفي رواية والجفاء وغلظ القلوب وقيل الفخر هو الافتخار وعد المآثر القديمة تعظيما ومنه الإعجاب بالنفس والخيلاء الكبر واحتقار الناس
(في أهل الإبل) في رواية أهل الوبر والوبر شعر الإبل وفي رواية أهل الخيل والإبل وفي رواية في الفدادين عند أصول أذناب الإبل والفداد بتشديد الدال هو شديد الصوت والمعنى أن القسوة وغلظ القلوب والكبر في المكثرين من الإبل الذين تعلو أصواتهم خلفها عند سوقهم لها وفي رواية في أهل المشرق وفي رواية في ربيعة ومضر لأن ربيعة ومضر كانوا يمثلون أغلبية سكان أهل المشرق وقد اشتهروا بتربية الإبل والخيل
(في أهل الغنم) أي في اليمن لأن معظم تربيتهم الغنم وفي رواية في أصحاب الشاء
فقه الحديث
حاول بعض العلماء صرف نسبة الإيمان إلى أهل اليمن عن ظاهرها حيث أن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة وقد تكلفوا لهذا الصرف تكلفات بعيدة منها
أن المراد من اليمن مكة فإنه يقال إن مكة تهامة وتهامة من أرض اليمن ومنها أن المراد من اليمن مكة والمدينة فإنه يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو في تبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة كما قالوا الركن اليماني وهو بمكة لكونه ناحية اليمن
ومنها أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمنيون في الأصل فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره
والحق أن هذا التكلف بعيد عن الصواب وبعيد عن ألفاظ الحديث في مجموع طرقه ورواياته إذ من ألفاظه كما هنا أتاكم أهل اليمن والكلام لأهل مكة المهاجرين ولأهل المدينة الأنصار فالآتي إذن غيرهم ثم إنه ليس هناك مانع أصلا من إجراء الكلام على ظاهره وحمله على أهل اليمن حقيقة فأهل اليمن سارعوا إلى قبول الإيمان
ثم إن نسبة الإيمان إليهم وإن كان فيها إشعار بكمال إيمانهم لا تنفي الإيمان عن غيرهم بل جاء في رواية صحيحة والإيمان في أهل الحجاز
ثم إن هذا الحكم لا ينسحب على أهل اليمن فردا فردا ولا في جميع العصور فإن اللفظ لا يقتضيه
ويؤخذ من الحديث:
1- منقبة عظيمة للمؤمنين من أهل اليمن
2- تفاضل أهل اليمن وأن المؤمنين كالقبائل بعضهم أرفع إيمانا من بعض
3- مدح السكينة والوقار ولين القلوب ورقة الأفئدة
4- التنفير من الفخر والخيلاء والكبر والغرور
5- أن من اتصف بشيء وقوي قيامه به نسب إليه إشعارا بكمال حاله فيه
6- ذم أهل الإبل الذين يشتغلون بها عن أمور دينهم وتصل بهم إلى غلظة القلوب والخيلاء