- 49 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه المعنى العام
يقول جل شأنه
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
نعم الإنسانية كلها من أب وأم لكنها في سلوكها وأخلاقها تختلف حتى تشتهر قبيلة بالكرم وأخرى بالشح والبخل وتشتهر قبيلة بالأما-نة وأخرى بالخيانة وتشتهر قبيلة بالحلم وتشتهر أخرى بسرعة الغضب وهكذا في الصدق والكذب وفي الشجاعة والجبن فكانت الإنسانية من حيث السلوك معادن يختلف بعضها عن بعض يعلو بعضها بمكارم الأخلاق ويهبط بعضها بسفاسفها فمن كان على مكارم الأخلاق قبل الإسلام ثم أسلم وتفقه في الدين كان خير الناس فمن كان سيدا وعزيزا في الجاهلية بأخلاقه زاده الإسلام عزا لكن عليه أن لا يدفعه ذلك إلى التطلع للإمارة والولاية فهي في الإسلام حمل وعبء ومسئولية من يسألها ويحرص عليها لا يولى وإن ولي لا يعان عليها فالعقلاء والمتدينون ومقدروا المسئولية يكرهونها ويخشون الوقوع فيها فإذا وقعوا فيها جندوا أنفسهم لرعايتها حق رعايتها وسألوا الله الإعانة والتوفيق والسداد
أما النفعيون والانتهازيون وأصحاب المصالح الشخصية العاجلة الذين يتلونون لكل أمير ويلبسون من الأقنعة ما يناسب كل راء ويأتون هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فأولئك شرار الخلق لا خلاق لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من نصيب
المباحث العربية
(تجدون الناس معادن) الخطاب للصحابة أو لكل من يتأتى خطابه أي تجد أيها المخاطب في كل زمان ومكان الناس معادن وجاء في رواية الناس معادن أي في حقيقتهم معادن أدركتم ذلك أو لم تدركوا والمعادن جمع معدن وهو الشيء المستقر في الأرض وفي الكلام تشبيه بليغ حذف منه الوجه والأداة والأصل الناس كالمعادن في تفاوت الأصالة والخسة وفي عدم تغير الصفة المذكورة في حال خفائهم عنها وفي حال ظهورهم بها
(خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) أي كما أن المعدن إذا استخرج ظهر ما اختفى منه ولم تتغير صفته كذلك صفة الشرف لا تتغير في ذاتها بل من كان شريفا في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس فإن أسلم استمر شرفه وكان أشرف ممن أسلم من المشروفين في الجاهلية كذا قيل وللموضوع تتمة في فقه الحديث ولفظ خيارهم إما جمع خير بإسكان الياء أو فعل تفضيل يقال خير وأخير وشر وأشر بمعنى لكن الذي بالألف أقل استعمالا وإما جمع خير بتشديد الياء المكسورة والمراد بالجاهلية ما قبل الإسلام والمراد من الفقه علم الشريعة يقال فقه الرجل بضم القاف ويجوز كسرها إذا صار فقيها وفهم سر الدين وشرائعه
(وتجدون خير الناس) من هنا مرادة ومقدرة أي من خير الناس لأن من اتصف بذلك لا يكون خير الناس على الإطلاق
(في هذا الشأن) في الولاية والإمارة فالمشار إليه معهود للمخاطبين ذهنيا
(وتجدون شر الناس ذا الوجهين) من هنا مقدرة ومرادة كسابقه أي من شر الناس والمراد من الوجه الحالة
(الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) المشار إليهم مطلق فريق فالكلام كناية عن عدم الوضوح وعن التلون والنفاق وللبحث بقية تأتي في فقه الحديث
فقه الحديث
لا شك أن الإسلام شرف وإن التفقه في الدين شرف وأن شريف الجاهلية يصاحبه الشرف إذا أسلم فمن استجمع أوجه الشرف الثلاثة كان أشرف الناس يليه مشروف في الجاهلية أسلم وتفقه ويليه شريف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه ويليه مشروف في الجاهلية أسلم ولم يتفقه
ولا عبرة في الشريعة بشرف الجاهلية إذا لم يصاحبه إسلام ولا عبرة بشرف التفقه ما لم يصاحبه الإسلام
فأقل الناس من جمع نقيض أوجه الشرف الثلاثة فكان مشروفا في الجاهلية ولم يسلم ولم يتفقه
ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
فإنه فيما إذا تعارض الشرف مع التقوى فلا شك حينئذ بأن الأكرم هو الأتقى لكن إذا تساوى شريف في الجاهلية ومشروف في التقوى كان الأكرم هو الشريف الأتقى
ولا يخفى أن المراد من شرف الجاهلية الشرف المبني على الخلال الحميدة ومكارم الأخلاق من عفة وكرم وإعانة ونجدة وصدق ووفاء ونحوها وليس المبني على الغلبة أو القوة أو السلطة أو الكثرة العددية أو نحو ذلك
ولما كان شريف الجاهلية قد يطمع بعد الإسلام ويتطلع إلى الرئاسة باعتبار أنه كان رأسا قبل الإسلام ناسب أن يفطم الحديث هذا التطلع وأن يحد منه لجعل الأمر للأمة لا له فحذر من الحرص على الولاية والسعي إليها بل دعا إلى عدم إعطائها لمن يطلبها
وقد استدل بعض العلماء بقوله صلى الله عليه وسلم وتجدون خير الناس في هذا الشأن أي شأن الولاية أشدهم له كراهية على أن الحرص على الإمارة والعمل والسعي للحصول عليها مكروه
بل ويؤخذ من الحديث أنه كلما اشتدت كراهة المسلم الدخول في هذا الأمر كلما عظم اتصافه بالعقل والدين لما في ذلك من تقدير للعبء والمسئولية ولما يترتب عليه من مطالبة الله تعالى للقائم به من حقوق ومن خوف الزلل والظلم ولقد أثر عن عمر رضي الله عنه في نهاية خلافته قوله وددت لو خرجت من هذا الأمر كفافا لا لي ولا علي
وقد جاء في بعض الروايات تجدون من خير الناس أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه فهذه الغاية تشير إلى أن من لم يكن حريصا على الإمرة غير راغب فيها تزول عنه الكراهة إذا حصلت له ولهذا أحب بعض الصالحين استمرار الولاية حتى قاتل عليها
ولما كانت البيعة أو الولاية يصحبها غالبا منافقون ووشاة ناسب أن يتعرض الحديث لذي الوجهين بأنه شر الناس أو من شر الناس قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل والكذب مدخل الفساد بين الناس أهـ
وفي تحديد المراد به قال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها مخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحايل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال: فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود
وفي تحديد المراد به أيضا قال ابن عبد البر: تأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيري الناس خشوعا واستكانة وما قاله النووي أقرب إلى المراد والله أعلم