- 48 - عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد المعنى العام
لا يصيب المؤمن هم ولا غم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كان له بها حسنة وأجر وهكذا يبعث الله على الناس البلاء ليوقظهم من غفلتهم ويردهم عن غواياتهم إلى طاعات ربهم فهذه طبيعة الإنسان إذا أنعم عليه أعرض عن ربه ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض وإذا مس الإنسان الضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل
فالابتلاء وإن كان مؤلما وعذابا لكنه لصالح الإنسان مآلا وهو رحمة ومغفرة للمؤمنين الذين يستحقون رحمة الله يكفر من سيئاتهم ويرفع من درجاتهم وهو عذاب وعقوبة عاجلة لمن يستحقها بسبب الكفر أو ما يرتكب من الموبقات
والابتلاء قد يقع بالأموال وبالتخويف وبنقص الأنفس وموت الأهل وقد يكون بالأمراض الجسمية وأشدها مرض الطاعون الفتاك أعاذ الله منه أمة الإسلام يقول جل شأنه
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
فالصبر والاحتساب من مريض الطاعون إيمان وتوكل بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إيمان بقدر الله إيمان بأن الفرار لا ينفع من الموت أو القتل هذا الصابر المحتسب إن عاش فله أجر الصابرين وإن مات فله أجر الشهداء وهو في رفقة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا وهذا الصابر المحتسب الماكث في بلد الطاعون يحمي من هم خارج بلده من العدوى وانتشار المرض ويقوي الروح المعنوية لمن هم معه ولا يثير فيهم الهلع والجزع والناس يموتون من الهلع والجزع أحيانا قبل أن تفتك بهم الأمراض وما أعظم وصية رب العالمين لسيد المرسلين وللمؤمنين
قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون 
المباحث العربية
(سألت... عن الطاعون) أي عن حكمة إرساله على الناس وعن موقف من يقع به أو حوله
(على من يشاء) من المؤمنين والعاصين والكافرين
(رحمة للمؤمنين) ليكفر سيئاتهم فعذاب الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة أو ليرفع من درجاتهم
(ليس من أحد) من زائدة وأحد اسم ليس
(يقع الطاعون) أي في بلده
(فيمكث في بلده) أي فيبقى ويقيم ولا يفر بالخروج فالجار والمجرور في بلده تنازعه الفعلان يقع ويمكث
(محتسبا) أي مفوضا وطالبا الأجر من الله
(يعلم أنه لا يصيبه) المراد من العلم الإيمان والعمل بالمعلوم وليس المراد مجرد المعرفة
فقه الحديث
تعرضنا في الحديث السابق إلى حكم الدخول إلى الأرض المصابة بالطاعون ونتعرض هنا إلى حكم الخروج لمن وقع الطاعون في أرضه وهو فيها
ودوافع الخروج حينئذ لا تخلو عن احتمالات أربعة الخروج بدافع مصلحة ضرورية فقط أو بدافع المصلحة الضرورية والفرار أو بدافع الفرار فقط أو اتفاقا وعفوا بدون دافع
ولفظ الحديث السابق فلا تخرجوا فرارا منه يحتمل النهي عن الخروج في صورتين صورة أن يكون الدافع الفرار وحده وصورة أن يكون الدافع الفرار مع غيره وقريب منه ما رواه أحمد وابن خزيمة المقيم في الطاعون كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف ولا خلاف في النهي عن الخروج فرارا وهو حين يتمحض أشد منعا منه حين تشترك معه مصلحة فالفرار معناه ضعف الإيمان بالقضاء والقدر والله تعالى يقول
قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة
وما أكثر الذين يموتون على فراشهم دون طاعون وما أكثر الذين يفاجأون بالموت في طريقهم دون أمراض ولكل أجل كتاب إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد
وماذا يفيد الحرص على الفرار من الوباء إذا كنا نؤمن بأن الله هو الذي أعدى الأول من المصابين
ومع ذلك فالخروج من أرض الطاعون يعرض من هم خارج الأرض للخطر ويتسبب في انتشار الوباء واتساع رقعته ودرء هذا مصلحة عامة واجبة الرعاية وإن لم ينص عليها الحديث صراحة لكن إذا جعلنا قيد فرارا قيدا لما هو الشأن والغالب واعتمدنا الحكم بدونه كما في قوله تعالى
لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة
كان الخروج منهيا عنه سواء كان من دافعه الفرار أم لم يكن
نعم قد تكون هناك ضرورات ومصالح عامة أو ضرورات ومصالح شخصية تقدر بقدرها مع الموازنة بينها وبين ما يترتب على الخروج من أضرار وهذا ما نستريح إليه
لكن العلماء اختلفت آراؤهم في ذلك فقد نقل القاضي عياض وغيره عن بعض الصحابة جواز الخروج من الأرض التي يقع بها الطاعون وقال قوم يحرم الخروج منها وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم وقال قوم يحرم الخروج لمجرد الفرار لا لغرض آخر فالخروج إلى الأسفار والحوائج مباح والله أعلم