- 60 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر" قال: وأخبرني زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره. المعنى العام
تشريع هام يحفظ حقوق المتبايعين، ويمنع الغرر والمخاصمة: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" وينتفع به، ولا تبيعوا الثمر على الشجر، لأنه لا يمكن كيله، ولا وزنه، ولما كان العرب يعيشون على التمر والرطب، ولما اشتدت حالة القوم إلى المعاوضة بين الرطب واليابس رخص الشارع في بيع الرطب على النخيل خرصا بالتمر على الأرض كيلا
المباحث العربية
(الثمر) اسم جنس جمعي واحده ثمرة، وليس المراد به الجمع لأن النهي للجنس ولو ثمرة واحدة.
(حتى يبدو صلاحه) حتى للغاية، فالتحريم المستفاد من النهي مغيا ببدو الصلاح و"يبدو" منصوب بأن مضمرة بعد حتى، وهو مشتق من البدو وهو الظهور، ومعنى ظهور صلاح الثمر بلوغه صفة يطلبه الناس فيها غالبا للانتفاع به كظهور حمرته أو صفرته، ويختلف باختلاف الثمر.
(ولا تبيعوا الثمر بالتمر) الأول بالمثلثة والثاني بالمثناة، والباء للعوض فالتحريم يعم ما لو جعل التمر ثمنا، وهو الغالب في استعمال الباء، أو مثمنا.
(رخص بعد ذلك) أي شرع حكما ذا سهولة. والمشار إليه هو النهي عن بيع الثمر بالتمر.
(في بيع العرية) مفرد العرايا، كقضية وقضايا، والعرية لغة: النخلة التي يستثنيها مالكها، ويخرجها من البيع للأكل، سميت بذلك لأنها عريت عن حكم البستان من البيع، وبيع العرايا شرعا هو الرطب أو العنب على الشجرة خرصا بتمر أو زبيب على الأرض كيلا بشروط المماثلة بتقدير الجفاف.
فقه الحديث
سبب النهي عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه ما ورد في البخاري "أنهم كانوا يتبايعون الثمار، فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر العفن والدمان (الفساد والتعفن) وأصابه قشام (عيب يمنع التمر من أن يرطب) عاهات يحتجون بها، فقال صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه" فضلا عما فيه من عدم الانتفاع بالثمر، ومذاهب العلماء في ذلك البيع أنه إذا اشترط القطع صح البيع بالإجماع، وإن باع بشرط التبقية فالبيع باطل بالإجماع، لأنه ربما تتلف الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، أما إذا شرط القطع فقد انتفى هذا الضرر، وعلة النهي أولا عن بيع الثمر بالتمر (وهو المسمى بيع المزابنة) أن الثمر وهو الرطب على النخل أو العنب على الشجر لا يمكن كيله ولا وزنه، فتقديره بأي كيل أو وزن لا يخلو من الغرر، وعلة الترخيص فيه ثانيا (وهو المسمى بيع العرايا) شدة الحاجة إليه، وفي قول الراوي: بالرطب أو التمر قال بعض العلماء: إن "أو" للتخيير وعليه فيجوز بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض أو التمر الجاف، والجمهور على منع بيع الرطب على النخل بالرطب على الأرض، وحملوا "أو" في هذه الرواية على أنها للشك من الراوي، وقالوا: إن أكثر الروايات يدل على أنه صلى الله عليه وسلم إنما قال :العرية بالتمر، وقاس العلماء العنب والبر على الرطب، بجامع أن الكل زكوي يمكن خرصه ويدخر يابسه وهو مشهور مذهب الشافعية، وألحق المالكية بالرطب كل ما يدخر يابسه، بخلاف ما لا يتحقق فيه هذا الجامع، كالمشمش والبرتقال، لأنها متفرقة مستورة بالأوراق، فلا يتأتى فيها الخرص، وهو المقصود بقوله: "ولم يرخص في غيره".