حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ".

الكتاب :- شـــرح النووي  رقم الجزء :- 10  رقم الصفحة :-   0069_0070 مسلسل :- 118964
  باب طلاق الثلاث

قوله (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) وفي رواية عن أبي الصهباء أنه قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر فقال ابن عباس نعم وفي رواية أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة فقال قد كان ذاك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم وفي سنن أبي داود عن أبي الصهباء عن ابن عباس نحو هذا إلا أنه قال كان الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة هذه ألفاظ هذا الحديث وهو معدود من الأحاديث المشكلة وقد اختلف العلماء فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من السلف والخلف يقع الثلاث وقال طاوس وبعض أهل الظاهر لا يقع بذلك إلا واحدة وهو رواية عن الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق والمشهور عن الحجاج بن أرطاة أنه لا يقع به شيء وهو قول ابن مقاتل ورواية عن محمد بن إسحاق واحتج هؤلاء بحديث ابن عباس هذا وبأنه وقع في بعض روايات حديث ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا في الحيض ولم يحتسب به وبأنه وقع في حديث ركانة أنه طلق امرأته ثلاثًا وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها واحتج الجمهور بقوله تعالى وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا قالوا معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًا فلا يندم واحتجوا أيضًا بحديث ركانة أنه طلق امرأته البتة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما أردت إلا واحدة قال الله ما أردت إلا واحدة فهذا دليل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن وإلا فلم يكن لتحليفه معنى وأما الرواية التي رواها المخالفون أن ركانه طلق ثلاثًا فجعلها واحدة فرواية ضعيفة عن قوم مجهولين وإنما الصحيح منها ما قدمناه أنه طلقها البتة ولفظ البتة محتمل للواحدة وللثلاث ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ البتة يقتضي الثلاث فرواه بالمعنى الذي فهمه وغلط في ذلك وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة وأما حديث ابن عباس فاختلف العلماء في جوابه وتأويله فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق ولم ينو تأكيدًا ولا استئنافًا يحكم بوقوع طلقة لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه وكثر استعمال الناس بهذه الصيغة وغلب منهم إرادة الاستئناف بها حملت عند الإطلاق على الثلاث عملًا بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر وقيل المراد أن المعتاد في الزمن الأول كان طلقة واحدة وصار الناس في زمن عمر يوقعون الثلاث دفعة فنفذه عمر فعلى هذا يكون إخبارًا عن اختلاف عادة الناس لا عن تغير حكم في مسألة واحدة قال المازري وقد زعم من لا خبرة له بالحقائق أن ذلك كان ثم نسخ قال وهذا غلط فاحش لأن عمر رضي الله عنه لا ينسخ ولو نسخ وحاشاه لبادرت الصحابة إلى إنكاره وإن أراد هذا القائل أنه نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك غير ممتنع ولكن يخرج عن ظاهر الحديث لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر. فإن قيل فقد يجمع الصحابة على النسخ فيقبل ذلك منهم قلنا إنما يقبل ذلك لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم فمعاذ الله لأنه إجماع على الخطأ وهم معصومون من ذلك فإن قيل فلعل النسخ إنما ظهر لهم في زمن عمر قلنا هذا غلط أيضا لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر والمحققون من الأصوليين لا يشترطون انقراض العصر في صحة الإجماع والله أعلم وأما الرواية التي في سنن أبي داود أن ذلك فيمن لم يدخل بها فقال بها قوم من أصحاب ابن عباس فقالوا لا يقع الثلاث على غير المدخول بها لأنها تبين بواحدة بقوله أنت طالق فيكون قوله ثلاثًا حاصل بعد البينونة فلا يقع به شيء وقال الجمهور هذا غلط بل يقع عليها الثلاث لأن قوله أنت طالق معناه ذات طلاق وهذا اللفظ يصلح للواحدة والعدد وقوله بعده ثلاثًا تفسير له وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة رواها أيوب السختياني عن قوم مجهولين عن طاوس عن ابن عباس فلا يحتج بها والله أعلم. قوله (كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ) هو بفتح الهمزة أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة.

قوله (تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ) هو بياء مثناة من تحت بين الألف والعين هذه رواية الجمهور وضبطه بعضهم بالموحدة وهما بمعنى ومعناه أكثروا منه وأسرعوا إليه لكن بالمثناة إنما يستعمل في الشر وبالموحدة يستعمل في الخير والشر فالمثناة هنا أجود. وقوله (هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ) هو بكسر التاء من هات والمراد بهناتك أخبارك وأمورك المستغربة والله أعلم.

الاسم:
البريد الإلكترونى: *
نوع التعليق
التفاصيل: *
 
زوار اليوم3
عدد الزوار الاجمالى1705929
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم