منهج جامع الحديث >> منهج الرواة >> منهج تعيين الرواة في برنامج جامع الحديث النبوي >> القاعدة الثانية: عدم التسرع بالاعتماد على تعيين أحد الأئمة لبعض
 
     
     
  القاعدة الثانية: عدم التسرع بالاعتماد على تعيين أحد الأئمة لبعض رواة الإسناد قبل التأكد من عدم وجود مخالف معتبر، أو عدم وجود أي معلومة تؤكد أن التعيين الصحيح للراوي خلاف ما ذكره الإمام.
وقد يكون هذا التعيين إما بصريح اللفظ أو من خلال الدلالة الواضحة لتصرف هذا الإمام كما في التصنيف على المسانيد والمعاجم.
فأما مثال الأسلوب الأول:
فهو ما تقدم بعضه من مخالفة الحافظ ابن حجر للمزي والذهبي، فيما ذكرناه في القاعدة الأولى، وكذلك ما سيأتي في السطور التالية، وكذلك فيما يلي من القواعد.
والآن سنذكر بإذن الله مثالاً على الوهم في الرواية من قبل بعض رواة الإسناد وما قد يترتب على ذلك من التعيين الخطأ من قبل بعض الأئمة لهذا الراوي المتوهم فيه.
* قال ابن حبان في صحيحه:
(5147) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ يُحَدِّثُ عَنْ [ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ] أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَكُنْ قَاضِيًا قَالَ أَوَتُعْفِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟... (وذكر الحديث).
قَالَ أَبُو حَاتِمِ [ ابن حبان ]: (ابْنُ وَهْبٍ هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ مِنَ الْمَدِينَةِ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ).
* وقال الطبراني في المعجم الكبير:
(13141) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ الْبَغَوِيُّ ثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ يُحَدِّثُ عَنْ [ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ] أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَكُنْ قَاضِيًا قَالَ أَوَ تُعْفِينِي , يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟... (وذكر الحديث).
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ [ الطبراني ]: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ هَذَا هُوَ عِنْدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ زَمْعَةَ وَاللَّهُ أعْلَمُ).
* وأخرجه الطبراني كذلك في المعجم الأوسط بنفس الإسناد فقال:
(2833) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: نا أُمَيَّةُ قَالَ: نا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي جَمِيلَةَ يُحَدِّثُ عَنْ [ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ] أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَكُنْ قَاضِيًا... (وذكر الحديث).
[ قَالَ الطبراني ]: (لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ تَفَرَّدَ بِهِ مُعْتَمِرٌ).
نقول وبالله التوفيق:
قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير:
حديث أن ابن عمر امتنع من القضاء لما استقضاه عثمان الترمذي وأبو يعلى وابن حبان من حديث عبد الملك بن أبي جميلة عن [ عبد الله بن موهب ] أن عثمان قال لابن عمر اذهب فاقض قال أو تعفيني يا أمير المؤمنين...
هذا لفظ ابن حبان ووقع في روايته [ عبد الله بن وهب ] وزعم أنه (عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود القرشي)، ووهم في ذلك وإنما هو (عبد الله بن موهب)، وقد شهد الترمذي وأبو حاتم في العلل تبعا للبخاري أنه غير متصل. انتهى كلام الحافظ.
وقد سبق الحافظ ابن حجر جماعة من العلماء في التنبيه على هذا الخطأ في الرواية عند ابن حبان، ومن ثَمَّ الخطأ في التعيين الذي ذكره، ومن هؤلاء المقدسي في " الأحاديث المختارة " حيث ذكر هذا الحديث تحت ترجمة [ عبد الله بن موهب الفلسطيني عن عثمان ]، وكذلك نبَّه الهيثمي في " مجمع الزوائد " على خطأ رواية ابن حبان.
وقد أدى تنبيه الحافظ ابن حجر ـ ومن سبقه من العلماء ـ والتنويه بهذا الخطأ في التعيين عند ابن حبان، إلى الانتباه إلى وقوع نفس الخطأ عند الطبراني في تعيينه للراوي كما تقدم.
وفي الواقع فإن الرواية التي وقعت فيها التسمية باسم (عبدالله بن وهب) عند ابن حبان والطبراني في معجميه الكبير والأوسط، إنما هي من رواية: (أمية بن بسطام) عن (معتمر بن سليمان عن عبد الملك بن أبي جميلة)، فالوهم من (أمية بن بسطام)، وقد خالفه (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ)، فرواه عن (المعتمر بن سليمان) عن فقال: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ) فذكر الراوي على الصواب.
* أخرجه الترمذي في السنن:
(1306) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ المَلِكِ يُحَدِّثُ عَنْ [ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ] أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اذْهَبْ فَاقْضِ بَيْنَ النَّاسِ... (الحديث).
وبغض النظر عن الخطأ السابق في التعيين، فالقضية هي النظر إلى الأئمة كيف كانوا يقومون بتمييز الرواة إذا لم تسعفهم القرائن الأقوى، وفي الحقيقة، لقد قصرت الطرق بابن حبان والطبراني عن اكتشاف الوهم الذي وقع فيه (أمية بن بسطام) وهو ما يقوم به التخريج، ولهذا لم يتبين لهما الوهم.
وفي الواقع فإن قصور التخريج أو أي خلل فيه يؤدي إلى الخطأ في التعيين إذا توقف التعيين عليه (أي على التخريج)، لا سيما إذا كان التخريج مخالفاً لاستقراء عام أو قرينة عامة يضطر الباحث إلى الركون إليها والاعتماد عليها في تعيين وتمييز الرواة، لا سيما مع قلة الأدوات المتاحة للتعيين الدقيق، فحتى مع الاضطرار غالباً إلى الاعتماد على الشيوخ والتلاميذ من واقع تهذيب الكمال، فإن المزي ـ رحمه الله ـ ربما يذكر من الشيوخ أو التلاميذ في بعض تراجم الرواة الذين لهم تعلق بآخرين ما لا يذكره في تراجم هؤلاء وذلك بالنسبة لأسانيد غير الكتب الستة، فمثلاً تراه يذكر في شيوخ (محمد بن إبراهيم بن أبي عدي البصري): (أشعث بن عبد الملك الحمرانى)، ولا يذكر (أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني)، بينما يذكر في تلاميذ (الحداني): (محمد بن أبي عدي).
وهذا يؤدي ـ لضمان عدم المجازفة في التعيين ـ إلى الاضطرار إلى عمل مسح لتراجم المشتبه فيهم ممن يشترك في الاسم والشيخ مثلا، فعلى سبيل المثال ـ وكما سيأتي قريباً ـ فإن جماعة ممن اسمهم (أشعث) يروون عن (الحسن)، وللأسف فإن ضيق الوقت أحياناً قد لا يسمح للباحث بالاستطراد في هذا الاتجاه، والله المستعان.
مثال آخر للخطأ في التعيين نتيجة قصور التخريج من قبل الإمام:
* أخرج الطبراني في الأوسط:
(4307) حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ قَالَ: نا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْبَجَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ إِلَّا وهُمَا زَانِيَتَانِ، وَلَا يُبَاشِرُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِلَّا وهُمَا زَانِيَانِ ".
* [ قال الطبراني ]: (لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي مُوسَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ، وَأَبُو يَحْيَى الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ).
نقول وبالله التوفيق:
هكذا جزم الطبراني بأن (أبا يحيى) في الإسناد المذكور هو (معبد بن سيرين)، ولكن الحديث قد ورد من طريق (الطيالسي) كذلك، وقال فيه: (عن أَبِي يَحْيَى الْمُعَرْقَبِ) وهو مصدع، هكذا *أخرجه الآجري في (ذم اللواط) قال:
(16) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ النَّضْرِ الْأَصْبَهَانِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ , عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ الْبَجَلِيِّ , عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ , عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ [ أَبِي يَحْيَى الْمُعَرْقَبِ ] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:... وذكر الحديث.
وأما مثال الأسلوب الثاني للتعيين الخطأ
من خلال دلالة واضحة لتصرف بعض الأئمة في تصانيفهم
فهو يتضح مما ذُكر في مقدمة تحقيق مسند الروياني كما يلي:
1 ـ أورد (الروياني) حديثين في مسند (أبي أمامة الباهلي صدي بن عجلان)، بينما هما من مسند (أبي أمامة الحارثي إياس بن ثعلبة).
2 ـ كما أورد (الروياني) حديثاً في مسند (أبي برزة الأسلمي) فقال:
(عن ليث عن أبي برزة الأسلمي عن أبيه أن قوماً) بينما الصواب: (عن ليث عن أبي بردة الأشعري عن أبيه) وهو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس، فهذا الحديث من مسنده.
3 ـ كما أورد (الروياني) ثلاثة أحاديث ذكرها جميعاً تحت ترجمة (كيسان مولى النبي ص) وهي في الحقيقة ثلاثة أحاديث مختلفة يرويها ثلاثة من الصحابة (بغض النظر عن ثبوت الصحبة لبعضهم أم لا)، وكل منهم يسمى (كيسان).
الأول: هو كيسان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يروي حديث: (لا تحل الصدقة لآل محمد).
والثاني: هو كيسان أبو عبد الرحمن وهو كيسان بن جرير أبو عبد الرحمن الأموي المدني، وهو الذي يروي حديث: (صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر عند بئر العليا)
والثالث: هو كيسان أبو نافع الدمشقي، وهو الذي يروي حديث: تحريم الخمر).
وقد فرق العلماء بين هؤلاء الثلاثة ولم أر من جمع بينهم، والله أعلم.
4 ـ كما أورد (الروياني) حديث (حميد بن هلال عن ثلاثة رهط منهم أبو الدهماء وأبو قتادة قالوا: كنا نمر بهشام بن عامر ثم نمر بعمران بن حصين...) الحديث.
ذكره الروياني في مسند (عمران بن حصين)، وحقه أن يوضع في مسند (هشام بن عامر) كما صنع الإمام أحمد وغيره، والله تعالى أعلم.
فهذه الأمثلة السابقة كلها تمثل أنماطاً من التعيين الخطأ للرواة بغض النظر عن أن منشأ التعيين الخطأ قد يكون أحيانا وهماً في الرواية، ولكن إذا أردت صورة أوضح لأوهام المصنفين في الرواية فإليك ما وقع في المعجم الأوسط للطبراني مقارنة بروايته لنفس الحديث في المعجم الكبير.
* قال الطبراني في الأوسط:
(3225) حَدَّثَنَا بَكْرٌ قَالَ: نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ: نا [ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ] قَالَ: نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ التُّجِيبِيُّ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ " لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُعَاوِيَةَ إِلَّا الْوَلِيدُ.
* بينما قال الطبراني في الكبير:
(13638) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: ثنا [ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ]، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ التُّجِيبِيُّ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ ".
إن طرق الحديث كلها ليس فيها (الوليد بن مسلم) وإنما فيها (بقية بن الوليد)، كما أن إسناد الطبراني للحديث في الأوسط هو نفسه الذي في الكبير، مما يدل على أن الوهم من عند الحافظ الطبراني رحمه الله
ملحوظة: لا يعتبر مثل هذا الخلاف بين (الوليد بن مسلم) وقوله (بقية بن الوليد) تصحيفاً، وإنما هو وهم عند نقل الحافظ من نسخة إلى نسخة فيما يظهر مما يسمى عند العلماء بالتحويل والله تعالى أعلم.
     
     
   
   
 
 
جميع الحقوق محفوظة لشركة رواية إيجيكوم